الثلاثاء 5 مايو 2026

ثقافة

«الطبلاوي».. سلطان التلاوة

  • 5-5-2026 | 15:52

الطبلاوي

طباعة
  • همت مصطفى

 كان وسيبقى صوته نداءً يوقظُ الروح، ونفَسًا قرآنيًا يُعيد للقلب اتزانه وسكينته، من حنجرته الذهبية انطلقت آياتُ الذكر الحكيم، لا كحروفٍ تُرتَّل،  كأنها حياةٌ تُبعث من جديد في وجدان السامعين، و امتلك سرّ التأثير، فهو القارىء  المتفرد الذي جمع بين خشوع الأداء وجمال المقام، حتى صار صوته جسرًا بين الأرض والسماء، وعنوانًا لعظمة التلاوة المصرية التي تأسر الأسماع وتُلامس الأرواح إنه قارىء القرآن الكريم  وصاحب الصوت القرآني الاستثنائي محمد محمود الطبلاوي «آخر سلاطين دولة التلاوة».

في حضرت الشيخ الطبلاوي كان القرآن يُتلى بوقارٍ يليق بجلاله، وبعذوبةٍ تُذكّر بأن هذا الصوت، كان علامةً فارقة  في تاريخ تلاوة القرآن الكريم، وامتدادًا لجيلٍ من القراء الذين صاغوا وجدان الأمة كاملة.  الإسلامية، هكذا «سلطان التلاوة»، صوتًا لا يغيب، وذكرى لا تنطفئ، وأثرًا خالدًا يتردد صداه في القلوب قبل الآذان.

تزوج  الطبلاوي مبكرًا في سن السادسة عشرة، وبدأ قراءة القرآن وإحياء السهرات القرآنية منذ الثانية عشرة من عمره، ودُعي لإحياء مآتم كبار الموظفين وشخصيات بارزة لعائلات معروفة، وقد سُجلت تلاواته على غرار مشاهير القراء الإذاعيين قبل أن يبلغ الخامسة عشرة.

 النشأة والبدايات 
ولد الشيخ  محمد محمود الطبلاوي في الرابع عشر من نوفمبر عام 1934م، بحي «ميت عقبة» في محافظة الجيزة، وينتمي إلى أصولٍ من محافظتي الشرقية والمنوفية ونشأ في أسرة محبة للقرآن الكريم والعلم؛ فبدأت رحلته مع كتاب الله في سن مبكرة.

التحق الطبلاوي بـ«الكُتّاب» في سن الرابعة، وكان والده يحرص على متابعته والاهتمام به، حيث كان يدفع أجرًا أكبر للمحفِّظ لضمان عناية خاصة، حتى أتم حفظ القرآن في سن العاشرة، وبدأ التلاوة في المناسبات الدينية والمساجد منذ صغره.

«الطبلاوي» ..القارئ المفضل للعائلات الكبرى

وتتلمذ الطبلاوي على يد عدد من المشايخ، أبرزهم.. الشيخ عبد الفتاح القاضي، والشيخ أحمد مرعي، والشيخ رزق خليل حبة، والشيخ محمود حافظ برانق، والشيخ عبد الحميد المسيري. 

ويروي الطبلاوي عن بداياته أنه بدأ التلاوة في سن الثانية عشرة، وكان أول أجر حصل عليه خمسة قروش من عمدة قريته، ومنذ ذلك الوقت ذاع صيته سريعًا حتى أصبح ينافس كبار القراء في عصره، وبرز بشكل لافت في سن السادسة عشرة، ليصبح القارئ المفضل لدى العديد من العائلات الكبرى.

«الطبلاوي»  قارئًا بالإذاعة المصرية وللأزهر الشريف

التحق «الطبلاوي» بالإذاعة المصرية عام 1970م بعد عدة محاولات، حتى أثبت جدارته أمام لجنة الاستماع التي ضمت كبار القراء آنذاك، وتميز بأسلوب متفرد في التلاوة، حيث جمع بين المدرسة الحجازية في المقامات والنَّفَس المصري العريق، ما جعله محبوبًا لدى المستمعين في مصر والعالمين العربي والإسلامي.

وفي أوائل السبعينيات في القرن الماضي عُيّن الشيخ  «الطبلاوي» قارئًا للجامع الأزهر الشريف، فكان من الأصوات التي زيّنت محرابه في المناسبات الدينية الكبرى، وواصل أداء رسالته في نشر القرآن الكريم وتعليم تجويده، محافظًا على منهج المدرسة المصرية الأصيلة القائمة على الإتقان الفني والعمق الروحي في الأداء القرآني.

«الطبلاوي» صاحب أسلوب متفرد في التلاوة

عُرف الطبلاوي بأسلوبه المتفرد في التلاوة، حيث جمع بين المدرسة الحجازية في المقامات والنَّفَس المصري العريق، مما جعله أثيرا لدى المستمعين في مصر والعالمين العربي والإسلامي.

وشغل الشيخ الطبلاوي عددًا من المواقع الدينية الرفيعة في خدمة القرآن الكريم والدعوة، فكان عضوًا بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وعضوًا بلجنة القرآن الكريم والمستشار الديني بوزارة الأوقاف، ومثّل مصر في العديد من المؤتمرات والمحافل الدولية، وشارك محكّمًا في مسابقات حفظ القرآن الكريم داخل مصر وخارجها، قبل أن يُنتخب نقيبًا لقراء مصر، فكان نموذجًا في القيادة ورعاية شئون القراء والدفاع عن رسالتهم.

وصدح الشيخ الطبلاوي بصوته قارئًا للقرآن الكريم في المحافل الكبرى كافة، امتدت مسيرته في تلاوة القرآن الكريم لنحو خمسين عامًا، داخل مصر وخارجها، و زار خلال مسيرته أكثر من 80 دولة حول العالم،  سواء بدعوات خاصة أو كمبعوث من وزارة الأوقاف والأزهر الشريف، وعاش ناقلا رسالة السماء إلى شتى بقاع الأرض، وكان من القراء الأوائل الذين تشرفوا بالتلاوة في المسجد الأقصى الشريف.

إنجازات  القارىء الاستثنائي «الطبلاوي»
لم يكتفِ الشيخ بالتلاوات المحفلية، بل حرص على توثيق المصحف كاملًا، ومن أبرز إنجازته في دولة التلاوة

  • • المصحف المجود: سجله في 75 ساعة صوتية، تجلت فيها عبقريته في الأداء وحسن التصوير.
  • • المصحف المرتل: سجله في 33 ساعة، مبرزا فيه أحكام التجويد بسلاسة وعذوبة.

ونال الشيخ «االطبلاوي» في مسيرته عددًا من الجوائز والتكريمات الرفيعة؛ كرّمه الملك الحسين بن طلاله، وحصل على وسام من الجمهورية اللبنانية خلال احتفال بليلة القدر، تقديرًا لجهوده في نشر رسالة القرآن الكريم بصوته العذب وأدائه المتميز

ألقاب  الشيخ الطبلاوي

 أصبح الطبلاوي أشهر قرّاء الإذاعة والتلفزيون، تعددت ألقاب الشيخ محمد محمود الطبلاوي؛ فهو «سلطان التلاوة»، و«نقيب القراء»، و«آخر العباقرة»، و«قيثارة العصر» «سفير القرآن»، و«ظاهرة العصر»، وهو «صاحب الحنجرة الذهبية» الذي استحق بجدارة لقب «قارئ الملوك والرؤساء» تعبيرًا عن مكانته الرفيعة وأسلوبه الفريد الذي جمع بين الأصالة والإبداع.

رحيل وأثر وإرث باق

في مثل هذا اليوم، الخامس من مايو عام 2020م، الموافق الثاني عشر من رمضان 1441هـ، غيَّب الموت صاحب الحنجرة الذهبية وتوفي  الشيخ الطبلاوي عن عمر ناهز 86 عاما،  بعد رحلة عطاء دامت نحو خمسين عاما، ترك خلالها إرثاً غنياً من التلاوات الخاشعة.

وأدى المئات صلاة الجنازة على جثمانه أمام منزله بحي العجوزة، قرب نادي الترسانة الرياضي بالجيزة، قبل تشييع الجثمان إلى مقابر العائلة في البساتين،  وشارك في جنازته عدد كبير من مشايخ نقابة قراء القرآن الكريم، إلى جانب أقاربه وجيرانه.
مرّت سنوات على رحيل «سلطان التلاوة» ، إلا أن صوته لا يزال يتردد في القلوب، يملأ الأرجاء خشوعًا وروعة، تاركًا إرثًا غنيًا من التلاوات الخاشعة،  وقد ظل رمزًا من رموز التلاوة في العالم الإسلامي، مجسدًا المقولة الشهيرة: «القرآن نزل في مكة والمدينة، وقُرئ في مصر».

رحم الله الشيخ محمد محمود الطبلاوي، الذي غرد بالقرآن الكريم فأطرب القلوب، ورحل وبقي صوته شاهدًا على رحلة عطاء ممتدة وإبداع خالد، وبقى صوته  يرتل في الآفاق إعجازًا وخشوعًا.

 ونشهد اليوم ستة أعوام مرت على رحيل «سلطان التلاوة»، نقيب قراء مصر السابق، وأحد أعلام التلاوة في العالم الإسلامي؛ لكن  صوته ما زال يتردد في القلوب، ويملأ الأرجاء خشوعا وروعا، ليُذكّر محبيه دائمًا بأن "القرآن الكريم نزل في مكة،  والمدينة وقُرئ في مصر».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة