أكد الدكتور نظير عياد مفتي جمهورية مصر العربية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن الحضارة الإسلامية لها أسسٍ راسخةٍ أرساها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فأسس مجتمعًا يقوم على قيم العدل، والمساواة، والرحمة، والتسامح، واحترام الإنسان، فانتقلت البشرية من واقع التنازع والفرقة إلى أمةٍ موحدةٍ، استطاعت أن تؤسس واحدةً من أعظم الحضارات الإنسانية.
جاء ذلك في كلمته التي القاها صباح اليوم في سمرقند خلال افتتاح مؤتمر دولي تحت عنوان "الإمام الماتريدي: أساس الوسطية والتسامح والعلم والمعرفة الذي يعقد في إطار منتدي الإسلامي الدولي الأول.
وأضاف أنه لم يكن هذا التحول ببعثته صلى الله عليه وسلم مجرد دعوةٍ إلى توحيد الله وعبادته؛ بل كان مشروعًا حضاريًا متكاملًا، جمع بين الإيمان والعلم، والأخلاق والعمل، فامتدت آثاره إلى مختلف الأمم، وكان سببًا من أسباب النهضة الحضارية للإنسان. مشيرا إلى أن الله -سبحانه وتعالى- خص هذه البلاد بمكانةٍ متميزةٍ في تاريخ الحضارة الإسلامية؛ وهيأ لها موقعًا جغرافيا فريدًا .
وتابع قائلا :" فكانت ملتقى للحضارات، وجسرًا للتواصل بين الشرق والغرب، ومركزًا لتبادل العلوم والثقافات، ومنذ دخول الإسلام إلى هذه البلاد، أصبحت أحد أهم روافد الحضارة الإسلامية، وأسهمت إسهامًا أصيلًا في ازدهارها العلمي والفكري، فاحتضنت مدارس علميةً كبرى، في كثيرٍ من بلدانها، مثل: سمرقند وبخارى وترمذ، وخوارزم، وتخرج فيها علماء كبار في شتى العلوم والفنون، في الحديث والفقه وأصوله والتفسير والكلام واللغة وغيرها من العلوم المختلفة، ولا تزال آثارهم العلمية تمثل جزءًا أصيلًا من التراث الإسلامي والإنساني.
وأشار إلى الإمام أبي منصورٍ الماتريدي بوصفه أحد أبرز علماء ما وراء النهر، وأحد أعمدة الفكر الإسلامي الذين أسهموا في ترسيخ المنهج العقدي لأهل السنة والجماعة، ولم يقتصر أثره على الدفاع عن العقيدة فحسب، بل امتد إلى بناء رؤيةٍ فكريةٍ متكاملةٍ تقوم على التوازن بين العقل والوحي، وترسيخ قيم الاعتدال والوسطية، وإبراز المقاصد الحضارية للإسلام، فكان فكره نموذجًا فريدًا في الحضارة الإسلامية وفي تحقيق السلام.
وأكد عياد، أنه لا يخفى عليكم أن تراث الإمام أبي منصورٍ الماتريدي قد أسهم في ترسيخ منهج الاعتدال والعقلانية في الحضارة الإسلامية؛ إذ لم يقتصر عطاؤه على تقرير مسائل العقيدة والدفاع عنها، وإنما قدم رؤيةً معرفيةً متكاملةً جمعت بين الوحي والعقل، وربطت بين الإيمان والأخلاق، وبين الفكر والعمران، بما أسهم في بناء نموذجٍ حضاري وسطي، يجمع بين الثبات على الأصول والقدرة على الاستجابة لمتغيرات الواقع.
وأوضح أنه من خلال استقراء تراثه تتجلى خصائص منهجية شكلت معالم فكره الحضاري، وفي مقدمتها: التوازن بين العقل والنقل، والعناية بالأخلاق وترسيخها، إلى جانب تأكيده على التلازم بين العقيدة وعمارة الأرض وتحقيق مصالح الإنسان ولم تكن هذه الخصائص مبادئ نظريةً مجردةً عن الواقع، بل تحولت تفسيراته واجتهاداته إلى أسسٍ عمليةٍ تسهم في بناء المجتمع، وفي تعزيز استقراره، وترسيخ قيم العدل والتعايش.
وأضاف عياد، أنه إذا كانت الحضارة الإسلامية تقوم على أساس الوحدة ونبذ العنف والتشرذم، فهذا ما أكد عليه الإمام الماتريدي، ففي تفسيره لقوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾ يؤكد على الأمر الإلهي بلزوم جماعة المسلمين، ونهى عن التفرق والاختلاف؛ لأن جماعة المسلمين هي سبيل الحق. ويؤكد على ذلك بقوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾، فاتباع الصراط المستقيم يكون بالاجتماع على الحق، أما اتباع السبل المتفرقة فيؤدي إلى الاختلاف والابتعاد عن سبيل الله.
وأفاد بأننا نستخلص من كلام إمامنا الماتريدي أن وحدة الأمة وتماسكها من أهم مقومات العمران الحضاري، وأن نهضة المجتمعات لا تتحقق إلا بالتعاون والتكامل بين أفرادها، في حين يقود التفرق والتنازع إلى تفكك البنيان الاجتماعي وتعطيل أسباب التقدم. وبذلك تكون الوحدة في فكر إمامنا قيمةً حضاريةً أصيلةً، لا مجرد توجيهٍ أخلاقي.
وأكد مفتي جمهورية مصر العربية، أن العقل نال مكانةً كبيرةً في فكر الإمام الماتريدي؛ إذ جعله قرينًا للوحي وأداةً لفهم النصوص الشرعية، واستنباط الأحكام، وإدراك مقاصد الشريعة. ولذلك أكد أن الوحي لا يفهم على وجهه الصحيح إلا بإعمال العقل، وأن الشريعة جاءت لتوجه التفكير الإنساني وترشده، لا لتعطله أو تتجاوزه. ومن ثم أصبح العقل في تصوره وسيلةً لا غنى عنها لاستنباط القيم والمبادئ التي تقوم عليها المجتمعات.
وأفاد بأن وظيفة العقل لا تقتصر عند إمامنا الماتريدي على إدراك الأحكام النظرية، بل تمتد إلى فهم سنن الله في الكون، وتسخير ما أودعه الله في الوجود لخدمة الإنسان وتحقيق مصالحه. وبهذا فإن الإنسان بما وهبه الله من عقلٍ استطاع أن يطور وسائل حياته ويقيم الحضارات عبر العصور، الأمر الذي يجعل العقل ركيزةً أساسيةً في تحقيق التنمية واستمرار البناء الحضاري.
ولفت إلى أنه على الرغم من المكانة الرفيعة التي منحها الإمام الماتريدي للعقل، فهذا لا يعني إطلاق العنان للعقل أو تجاوز النص، وفي هذا الصدد يقول الإمام الماتريدي: "الأصل أن العقول إنشاءات متناهية، تقصر عن الإحاطة بكلية الأشياء، والأفهام قاصرة عن بلوغ غايات الأمور؛ كونها أجزاءً من هذا العالم المتناهي في كليته.
وقال عياد، إن أدوات الإدراك ووسائله الحسية تعجز عن إدراك حقيقة ما يقع عليها من الظواهر، فضلاً عما خفي واستتر منها وإذا كان هذا هو حال العقل ووسائله، فهو بالتأكيد قاصر عن الإحاطة التامة بالحكمة التي يضعها البشر أنفسهم؛ فمن طلب الإحاطة بها، أو رام بلوغ حكمة الربوبية دون وحيٍ أو إشارةٍ إلهيةٍ، فقد ظلم العقل وحمله ما يعلم يقيناً عجزه عنه.
واستطرد مفتي جمهورية مصر العربية، قائلا إن الإمام الماتريدي لم يجعل العقل مستقلًا عن الوحي، بل قرر أن العلاقة بينهما علاقة تكاملٍ وتعاضدٍ، لا تعارضٍ وتنافرٍ، فالعقل على الرغم من قدرته على إدراك كثيرٍ من الحقائق، والتمييز بين الحسن والقبيح، والمصالح والمفاسد، إلا أنه يظل بحاجةٍ إلى هداية الوحي فيما يقصر عن إدراكه، وبهذا يتحقق التكامل بين نور العقل وهداية الوحي في توجيه الإنسان نحو الحق.
وأوضح أنه تجلت الرؤية الحضارية للإمام الماتريدي أيضًا في تأكيده على العمران، فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿واستعمركم فيها﴾، نقل أقوال المفسرين في معنى الآية، واستخلاف الإنسان في الأرض، وتكليفه بعمارتها والانتفاع بخيراتها، فالإنسان مسؤول عن إعمار الأرض والقيام بمصالحها ويتضح في تفسير الماتريدي أن عمارة الكون ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأخلاق؛ فكما أن الله تعالى أمر الإنسان بعمارة الأرض، نهى عن الفساد فيها، وعده مناقضًا لمقصد الاستخلاف، لقوله تعالى: ﴿والله لا يحب الفساد﴾.
وأضاف أن الأخلاق تمثل أحد الأسس الحضارية في بناء الفرد والمجتمع، فهي تهدف إلى تحرير الإنسان من أهوائه، والارتقاء به إلى مراتب الكمال الإنساني. كما تمثل الأساس الذي تقوم عليه الحضارة، والقدرة على مواجهة التحديات المعاصرة.. مؤكدا أن تراث الإمام أبي منصورٍ الماتريدي يمثل مرجعًا أصيلًا للاعتدال والعقلانية في الحضارة الإسلامية، فإن هذه الحقيقة تتجلى بوضوحٍ في اختياراته وترجيحاته الكلامية، التي قامت على التوازن، والإنصاف، والبعد عن الغلو والإقصاء.
ولفت عياد، إلى أن هذا المنهج أسهم في ترسيخ الاستقرار الفكري وإرساء قواعد الحوار العلمي، وهو النهج الذي واصلته المدرسة الماتريدية من بعده؛ فكان لها دور بارز في تعزيز ثقافة التعايش، ووحدة الأمة، والحد من أسباب الفرقة والصراع، مع المحافظة على ثوابت العقيدة ومنهج أهل السنة والجماعة.
وأوضح أن هذا المنهج يتجلى بوضوحٍ على سبيل المثال في موقف الإمام الماتريدي من قضية الإيمان، وهي من أكثر القضايا الكلامية التي ترتبت عليها آثار عقدية عبر التاريخ الإسلامي حيث سلك فيها الماتريدي طريقًا وسطًا بين الاتجاهات المتقابلة، مؤسسًا لرؤيةٍ عقديةٍ تقوم على الجمع بين أصول الاعتقاد والمحافظة على وحدة الأمة ؛ فلم يوافق غلو الخوارج في تكفير أهل القبلة وإخراجهم من دائرة الإسلام، كما لم يفرط في مفهوم الإيمان بما يؤدي إلى إهدار قيمة العمل، وإنما قرر أن مرتكب الكبيرة يبقى في دائرة الإيمان، ولا يخرج منها ما لم يستحل المعصية .
وقال مفتي جمهورية مصر العربية، إنه ترتب على هذا التصور العقدي آثار حضارية عميقة؛ إذ أرسى بذلك دعائم السلم المجتمعي، وضيق دائرة التكفير التي كانت سببًا في كثيرٍ من مظاهر الاقتتال والاضطراب في تاريخ المسلمين. ومن ثم مثل الموقف الماتريدي نموذجًا للاعتدال في الخلاف العقدي، وهو ما يعكس سماحة المدرسة الماتريدية ورؤيتها المتوازنة في التعامل مع القضايا.
و تابع قائلا " ويقرر الإمام الماتريدي هذا الأصل في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: 48]، فيقول: "أجمع الناس أن الله يغفر الذنوب كلها، الشرك وما دونه إذا انتهى وتاب، بقوله - تعالى -: ﴿إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: 38] دل على أن إطماع المغفرة لما دون الشرك لمن لم ينته عنه.... فالله - عز وجل - أطمع المؤمنين المغفرة ما دون الشرك، ولو كان لا يجوز في العقل المغفرة لكان لا يطمع؛ لأنه لا يجوز أن يطمع ما لا يجوز في العقل، فإذا أطمع دل أنه يجوز في العقل المغفرة لما دون الشرك، ثم له المشيئة: إن شاء عذبهم، وإن شاء عفا عنهم"[1].
وأكد عياد، أن منهج إمامنا الماتريدي أسهم في ترسيخ ثقافة الاعتدال، وحماية المجتمع الإسلامي من آثار التعصب والغلو، فهذا المنهج كان –ولا يزال- أحد المرتكزات الفكرية التي كانت داعمةً لاستقرار الحضارة الإسلامية، ورسخت لقيم التعايش بين المسلمين ؛ وقد امتدت آثار الإمام الماتريدي إلى المدرسة الحنفية التي نشأت على أصوله العقدية، القائمة على تقرير أن أفعال الله تعالى معللة بالحكمة والمصلحة، وأن النظام محكم يجري وفق مقتضى الحكمة الإلهية، وقد أفضى هذا الأصل العقدي إلى القول بالتعليل في الأفعال والأحكام الشرعية، وفتح المجال أمام عقلنة النظر الفقهي من خلال البحث عن علل الأحكام ومناطاتها ومقاصدها، وتفعيل أدوات الاجتهاد المعتبرة، وهو ما يفسر التلازم الوثيق بين العقيدة الماتريدية والمذهب الفقهي الحنفي القائم على القياس والرأي والاستحسان.
ومن ثم قد أسهم كبار الأصوليين والفقهاء الأحناف في تطوير المنهج الأصولي الحنفي، من خلال تحقيق التوازن بين النقل والعقل، ومراعاة مقاصد الشريعة، وتحقيق المصالح، وتفعيل أدوات الاجتهاد المعتبرة .
وأوضح مفتي جمهورية مصر العربية، أن المنهج العقلي الذي أصله الإمام الماتريدي في المدرسة الحنفية انعكس على جهود تلامذته ومن جاء بعدهم من الأصوليين الماتريدية الأحناف، الذين عملوا على تطوير البناء الأصولي للمذهب مع المحافظة على ثوابته الشرعية. فبرز عدد من كبار الأصوليين، مثل أبي زيدٍ الدبوسي (ت 430هـ)، وفخر الإسلام البزدوي (ت 482هـ)، وشمس الأئمة السرخسي (ت 483هـ)، وعملوا على ترسيخ منهجٍ أصولي متوازنٍ بين النص والاجتهاد، وبين الثوابت ومتغيرات الواقع.
وأكد الدكتور نظير عياد، أن هذا المنهج اكتسب قدرًا كبيرًا من المرونة والانفتاح، فاستطاع أن يتفاعل مع البيئات والثقافات المختلفة، وهو ما أسهم في انتشاره في مناطق واسعةٍ من العالم الإسلامي، ولا سيما في بلاد ما وراء النهر، وآسيا الوسطى، وشبه القارة الهندية، والأناضول مشيرا إلي أن هذا المنهج انعكس على موقف الماتريدية والأحناف من الخلاف؛ إذ تبنوا رؤيةً تقوم على الاعتراف بمشروعية الاختلاف في المسائل الاجتهادية، وعده من مقتضيات سعة الشريعة، مع تجنب التعصب للمذهب أو تبديع المخالف في مواطن الاجتهاد. ولذلك ساد في تراثهم الفقهي والأصولي احترام المذاهب الإسلامية الأخرى