الثلاثاء 21 يوليو 2026

عرب وعالم

غزة تعاني شح النقد والضفة الغربية تختنق بفعل القيود الإسرائيلية

  • 20-7-2026 | 13:46

الجهاز المصرفي الفلسطيني

طباعة

يعاني الجهاز المصرفي الفلسطيني في الضفة الغربية حاليا من أزمة سيولة نقدية غير مسبوقة، بعدما تراكمت كميات كبيرة من عملة الشيكل الإسرائيلي داخل البنوك إلى مستويات تفوق قدرته على استيعابها، ما دفع بعض المؤسسات المالية إلى الحد من قبول الإيداعات النقدية، وألقى بظلاله على المعاملات اليومية للأفراد والشركات في الوقت الذي يشهد فيه قطاع غزة ندرة في السيولة.

وقالت وكالة "أسوشيتد برس" ، في تقرير لها ، إن الأزمة تعود إلى القيود التي تفرضها إسرائيل على إعادة فائض الشيكل من الضفة الغربية إلى بنك إسرائيل المركزي، إذ تحدد سقفا لكمية العملة التي يمكن استردادها.

وفي المقابل، يؤكد مسؤولون فلسطينيون أن هذا السقف لم يواكب نمو النشاط الاقتصادي وحجم التداول النقدي، ما أدى إلى تراكم السيولة داخل الجهاز المصرفي.

ومع امتلاء خزائن البنوك بالنقد، أصبحت الشركات تواجه صعوبة في إيداع إيراداتها، كما بات استخدام الأوراق النقدية في بعض المعاملات أكثر تعقيدا، الأمر الذي يعرقل حركة التجارة ويزيد الضغوط على الاقتصاد المحلي.

ويرى مسؤولون في سلطة النقد الفلسطينية أن استمرار القيود الإسرائيلية على تحويل فائض الشيكل يمثل أحد أبرز أسباب تفاقم الأزمة، معتبرين أن هذه السياسة تسهم في إبقاء الاقتصاد الفلسطيني تحت ضغوط مالية وسيولة مستمرة، في وقت يحتاج فيه القطاع المصرفي إلى آلية أكثر مرونة لتصريف فائض النقد ودعم النشاط الاقتصادي.

والمفارقة وفق الوكالة الأمريكية أنه في الوقت الذي يعاني فيه قطاع غزة من شح السيولة النقدية نتيجة الحرب وسنوات الحصار، تواجه الضفة الغربية أزمة معاكسة تتمثل في فائض كبير من أوراق الشيكل النقدية، ما أدى إلى امتلاء خزائن البنوك ووصولها إلى حدودها الاستيعابية.

ويضاعف الأزمة استمرار بنك إسرائيل في رفض استقبال المزيد من الأوراق النقدية والعملات المعدنية، الأمر الذي يحول دون تمكن البنوك التجارية من تحويل هذه الأموال إلى أرصدة إلكترونية تُستخدم في تسوية المدفوعات للموردين أو تنفيذ التحويلات المالية نيابة عن العملاء، وهو ما يعرقل النشاط المصرفي والتجاري.

وقال نائب محافظ سلطة النقد الفلسطينية، محمد مناصرة، إن قدرة البنوك على احتواء الأزمة أصبحت محدودة في ظل استمرار القيود الإسرائيلية، مؤكداً أن ما يجرى في الضفة الغربية يمثل "حرباً اقتصادية" تُفاقم الضغوط على القطاع المالي وتحد من كفاءة النظام المصرفي في إدارة السيولة.

ويضيف أن البنوك أصبحت "مكبلة"، مؤكدا على أن ما يحدث "حرب اقتصادية".

وعادة ما تتولى البنوك المركزية سحب فائض النقد من البنوك التجارية وتحويله إلى أرصدة إلكترونية، بما يتيح للمصارف تسوية المدفوعات وتنفيذ التحويلات المالية وتلبية احتياجات العملاء بكفاءة إلا أن هذا المسار لا ينطبق على الضفة الغربية، حيث يعتمد الاقتصاد على الشيكل الإسرائيلي من دون أن تمتلك السلطة الفلسطينية أي صلاحيات لإدارة السياسة النقدية أو التحكم في إصدار العملة وتداولها.

ويؤدي هذا الواقع إلى اعتماد البنوك الفلسطينية على بنك إسرائيل لإعادة فائض الشيكل إلى النظام المالي الإسرائيلي.

ومع استمرار القيود على استرداد النقد، تتراكم كميات كبيرة من الأوراق النقدية داخل البنوك، ما يحد من قدرتها على إدارة السيولة وتنفيذ العمليات المصرفية بصورة طبيعية، ويزيد الضغوط على النشاط الاقتصادي في الضفة الغربية.

يشار إلى أن الترتيبات الاقتصادية المطبقة منذ تسعينيات القرن الماضي، جعلت الشيكل الإسرائيلي العملة الرئيسية المتداولة في الأراضي الفلسطينية، مع اعتماد الاقتصاد الفلسطيني على إسرائيل في تسهيل التجارة، وتحصيل الضرائب، وتسوية مدفوعات السلع المستوردة.

ويؤدي هذا الارتباط إلى تدفق كميات كبيرة من الشيكل إلى الضفة الغربية، في حين تعود كميات محدودة فقط إلى إسرائيل، خاصة مع اعتماد شريحة واسعة من المعاملات على الدفع النقدي.

وتحدد إسرائيل سقفا سنويا لتحويل فائض النقد من البنوك الفلسطينية إلى النظام المصرفي الإسرائيلي عند نحو 18 مليار شيكل (5.9 مليار دولار)، وهو مستوى يقول خبراء إنه لم يعد يتناسب مع حجم السيولة المتداولة في الضفة الغربية.

ويقدر الخبير الاقتصادي ومستشار السلطة الفلسطينية، مؤيد عفانة، أن البنوك الفلسطينية تراكم حاليا نحو 30 مليار شيكل سنوياً، ما يترك فائضاً كبيراً من النقد داخل خزائنها.

ويرى مسؤولون فلسطينيون أن القيود تتجاوز الاعتبارات الفنية والأمنية، معتبرين أنها أداة لزيادة الضغوط الاقتصادية على الضفة الغربية.

ويستشهدون بتصريحات سابقة لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي تعهد في سبتمبر 2025 باستخدام "جميع الأدوات" المتاحة لمنع قيام دولة فلسطينية، بما في ذلك ما وصفه بـ"الخنق الاقتصادي".

وتقول السلطة الفلسطينية إن أزمة فائض السيولة تأتي في سياق ضغوط اقتصادية أوسع تصاعدت منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، إذ اتخذت إسرائيل سلسلة من الإجراءات التي أثرت بشكل مباشر على اقتصاد الضفة الغربية.

وشملت هذه الإجراءات إلغاء معظم تصاريح العمل للفلسطينيين في إسرائيل، ما حرم عشرات الآلاف من مصدر دخلهم الرئيسي، إلى جانب حجب جزء من عائدات الضرائب والجمارك التي تجبيها نيابة عن السلطة الفلسطينية.

وأدى ذلك إلى تفاقم الأزمة المالية للسلطة، التي لم تتمكن من صرف الرواتب كاملة لموظفي القطاع العام، بمن فيهم العاملون في قطاعي التعليم والصحة، لأكثر من عام.

كما فرض تراكم فائض النقد أعباء إضافية على البنوك الفلسطينية، التي باتت تتحمل تكاليف متزايدة لتخزين وتأمين الأموال غير القادرة على تحويلها إلى إسرائيل.

وفي المقابل، شددت بعض البنوك قيودها على قبول الإيداعات النقدية من الشركات والأفراد، ما دفع كثيرين إلى البحث عن وسائل بديلة للاحتفاظ بأموالهم، في تطور يزيد من تعقيد النشاط الاقتصادي ويضعف كفاءة الدورة النقدية في الضفة الغربية.

الاكثر قراءة