كشفت بعثة أثرية دولية عن علامات ونقوش أثرية داخل 8 كهوف في جنوب غرب أيرلندا، يُعتقد أنها تعود إلى العصر الجليدي الأخير، وهو اكتشاف قد يغير المفهوم السائد حول بدايات الاستقرار البشري في الجزيرة، ويرجح وجود الإنسان بها قبل آلاف السنين مما كان معروفا حتى الآن.
وذكرت "صحيفة الفن" (The Art Newspaper) – في تقرير لها – أن فريقا بحثيا يقوده علماء الأنثروبولوجيا القديمة وفن الصخور جينيفيف فون بيتزينجر، وجورج ناش، وباربرا أوسترڤيستر، عثر خلال أعمال استكشاف هذا الصيف على علامات متعمدة داخل كهوف في جنوب غرب البلاد، من بينها خطوط صنعت بالأصابع على جدران لينة، إلى جانب آثار من المغرة والفحم، وبعض العلامات التي قد تمثل أشكالا لحيوانات.
ولا تزال الدراسة في مراحلها الأولى، إذ لم يتم حتى الآن تحديد العمر الدقيق لهذه العلامات، لكن الباحثين يعتقدون أن بعضها قد يعود إلى فترة تتراوح ما بين 10 آلاف عام و 15 ألف عام و إذا أكدت التحاليل هذا التقدير، فستكون هذه العلامات أول دليل معروف على فن الكهوف في أيرلندا يعود إلى العصر الجليدي الأخير، كما يمكن أن تغير فهم العلماء لتوقيت وصول البشر إلى الجزيرة.
وتكتسب الخطوط التي صنعت بالأصابع أهمية خاصة بالنسبة للباحثين، إذ تشير فون بيتزينجر إلى أن أكثر من 90% من المواقع المعروفة التي تحتوي على هذا النوع من العلامات تعود إلى العصر الجليدي، وتعرف هذه التقنية باسم "فلوتنج الأصابع"، حيث يمرر الإنسان أصابعه فوق مادة لينة على سطح جدار الكهف، تاركا وراءه خطوطا وآثارا متعمدة.
وتقول الباحثة بيتزينجر، إن مثل هذه العلامات عادة ما تكون من بين الأدلة القليلة التي يعثر عليها الخبراء في الكهوف القديمة، باستثناء الكهوف الشهيرة التي تحتوي على لوحات فنية واضحة، مثل ألتاميرا في إسبانيا ولاسكو في فرنسا، ولذلك فإن العثور على آثار من هذا النوع في أيرلندا يفتح مجالا جديدا لدراسة النشاط البشري القديم في الجزيرة.
ويستند البحث كذلك إلى فرضية تعرف باسم "الجسر البري المفقود"، وهي الفكرة التي دفعت الفريق إلى البحث عن آثار بشرية وفنية في الكهوف الأيرلندية. ويرى الباحثون أن تغير مستويات سطح البحر وشكل الجليد خلال أواخر العصر الجليدي ربما جعلا المسافة بين أيرلندا وويلز أقرب وأسهل للعبور مما هي عليه اليوم، وربما أتاحا للبشر الانتقال بين المنطقتين.
ورغم أن هذه الفرضية لم تثبت بعد، فإنها تستند إلى أبحاث جيولوجية سابقة حول شكل المنطقة خلال العصر الجليدي، كما عززها اكتشاف فن صخري في كهف بحري في ويلز يعرف باسم "بيكون هول"، يرجع تاريخه إلى ما لا يقل عن 17 ألفا و 100 عام، ويعد أقدم فن صخري معروف في شمال غرب أوروبا.
وانطلاقا من هذه الفكرة، استعان الفريق بأداة جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي تحمل اسم "لياكارا" LIACARA، وهي منظومة تجمع بين المعارف الأثرية والخرائط والصور والبيانات والدراسات المنشورة، بهدف تحديد المناطق التي قد تجمع بين الظروف الجيولوجية المناسبة ووجود البشر في الماضي.
وأدخل الباحثون إلى النظام بيانات تتعلق بتكوينات الحجر الجيري، ومصادر المياه، ومستويات سطح البحر والأنهار الجليدية، ثم استخدموا النتائج لإعداد خريطة تحدد المواقع الأكثر احتمالا لوجود كهوف شهدت نشاطا بشريا قديما، وبناء على هذه الخريطة، فحص الفريق 28 كهفا، وعثر في 8 منها على علامات تستحق مزيدا من الدراسة.
ويحتفظ الباحثون بتفاصيل المواقع التي اكتشفت فيها العلامات، خشية أن يؤدي الكشف عنها إلى تعريض الكهوف للزيارات غير المنظمة أو الإضرار بالآثار الموجودة داخلها، ويأتي هذا الحذر في ظل ندرة العلامات الأثرية داخل كهوف أيرلندا، رغم العثور على فن صخري في مواقع تاريخية أخرى، من بينها نيوجرانج في مقاطعة ميث.
وتتجه المرحلة المقبلة من البحث إلى إخضاع العلامات لسلسلة من الاختبارات العلمية لتحديد عمرها وطبيعتها، وسيجري العلماء تأريخ بقايا الفحم باستخدام الكربون المشع، وتحليل الأصباغ الحمراء بواسطة مطيافية رامان، إلى جانب استخدام تأريخ اليورانيوم-السلاسل لطبقات الكالسيت الموجودة على الأسطح.
كما يعتزم الفريق محاولة استخراج الحمض النووي القديم من آثار خطوط الأصابع، وهي تقنية جرى اختبارها من قبل فون بيتزينجر في مدينة مالقة الإسبانية، وقد تساعد هذه التحاليل، إذا نجحت، في تقديم معلومات إضافية حول الأشخاص الذين تركوا هذه العلامات وطبيعة وجودهم في الكهوف.
ولا تعني الاكتشافات الحالية أن وصول البشر إلى أيرلندا خلال العصر الجليدي أصبح حقيقة محسومة، إذ يؤكد الباحثون أن النتائج تحتاج إلى مزيد من التحليل قبل تحديد عمر العلامات و إثبات علاقتها بالنشاط البشري القديم.. إلا أن العثور عليها في 8 مواقع مختلفة يمنح الفرضية أساسا يستحق المتابعة العلمية.
وتضيف هذه النتائج بعدا جديدا إلى الأسئلة المتعلقة بكيفية تحرك البشر في أوروبا خلال العصر الجليدي، وما إذا كانت الجزر التي تبدو اليوم معزولة عن البر الأوروبي كانت أكثر اتصالا بالبشر و المجتمعات المحيطة بها عندما كانت مستويات البحار والأنهار الجليدية مختلفة.
ويخطط الفريق في الوقت نفسه لإتاحة نظام "لياكارا" بصورة مفتوحة أمام الباحثين؛ بما يسمح باستخدامه في دراسة مواقع أثرية أخرى وربط البيانات المتفرقة واكتشاف أنماط قد يصعب الوصول إليها من خلال البحث التقليدي، ويرى القائمون على المشروع أن الأداة يمكن أن تساعد العلماء على تتبع الأدلة وربط النتائج بمصادرها، بدلا من الاكتفاء بتحليل كل موقع بصورة منفصلة.
يذكر أن أيرلندا ظلت لفترة طويلة من المناطق الأخيرة في شمال غرب أوروبا التي ثبت استقرار البشر فيها، ويعد عظم ركبة دب من مقاطعة كلير، يحمل علامات قطع ويرجع إلى نحو 12 ألفا و500 عام، أقدم دليل مقبول حاليا على وجود البشر هناك.. أما عظم رنة من كورك يرجع إلى نحو 33 ألف عام، فقد اقترحت عالمة الحيوان الأثري روث كاردن عام 2021 أن العلامات الموجودة عليه صنعها صيادون، لكن هذا التفسير لا يزال موضع نقاش.