13-6-2026 | 12:43
أحمد فاخر
يعتبر التسمم الغذائي من أكثر الوعكات الصحية شيوعا في فصل الصيف، إذ تتحول فيه وجبة ممتعة معينة إلى تجربة مريرة ومؤلمة قد تستدعي دخول المستشفى، في هذا التقرير نحاول الإجابة عن الأسئلة المختلفة ومنها: أسباب ارتفاع معدلات التسمم الغذائي صيفا.. وأبرز مسبباته.. وطرق التعامل معه طبيا، وقاية لكل أفراد الأسرة منه.
في البداية نكتشف أن سر ارتباط التسمم الغذائي بالصيف يرجع إلى الحرارة والرطوبة اللتين تسببان التكاثر السريع للبكتيريا، كما أن معظم الميكروبات المسببة للأمراض المنقولة بالغذاء تنمو بشكل أسرع في درجات الحرارة التي تتراوح بين 20 إلى 50 درجة مئوية، في ظل هذه الأجواء، يمكن لخلية بكتيرية واحدة أن تنقسم وتتكاثر إلى ملايين الخلايا في غضون ساعات قليلة إذا ترك الطعام مكشوفا أو في درجة حرارة الغرفة.
بالإضافة إلى ذلك تتغير العادات السلوكية للبشر في الصيف، ويكثر تناول الطعام خارج المنزل وتزداد رحلات الشواء حيث تفتقر هذه الأنشطة غالبا إلى وسائل التبريد الفعالة كالثلاجات أو شروط النظافة الصارمة مثل غسل الأيدي بانتظام، مما يخلق بيئة مثالية لانتقال الملوثات، كما أن التسمم الغذائي ليس مرضا واحدا، بل هو مصطلح كبير تندرج تحته إصابات ناتجة عن كائنات دقيقة مختلفة، وهنا يمكن تصنيف الأسباب الأكثر شيوعا في الصيف فيما يلي:
أولا: الأسباب البكتيرية، وتتمثل في التالي:
- بكتيريا «السالمونيلا» وتتواجد بكثرة في الدواجن والبيض غير المطهو جيدا والحليب غير المبستر، وتنتقل بسهولة أحياناً عند استخدام أدوات تقطيع الدجاج في تقطيع السلاطات دون غسلها.
- البكتيريا القولونية وترتبط عادة باللحم المفروم غير الناضج والمياه الملوثة والخضراوات الورقية التي سقيت بمياه ملوثة ولم تغسل جيدا.
- البكتيريا العنقودية التي تنتقل من جلد الإنسان عبر الأيدي أو العطس إلى الطعام، وتتسم بإنتاج سموم مقاومة للحرارة، وتنشط في الأطعمة التي تلمسها الأيدي بكثرة ولا تطهى بعد ذلك، مثل: بعض المعجنات وبعض سلاطات البطاطس.
- بكتيريا «الكامبيلو باكتر» وتعتبر سببا رئيسيا آخر يرتبط ببعض الدواجن النيئة أو الحليب الملوث.
ثانيا: الأسباب الفيروسية: فهناك فيروس يسمى «نورو فيروس» يعتبر شديد العدوى وينتشر بسرعة في الصيف، ويتلوث الطعام به عادة عبر بعض مقدمي الطعام المصابين الذين لا يغسلون أيديهم، أو عبر بعض المأكولات البحرية مثل المحار المستخرجة من مياه ملوثة.
ثالثا: الأطعمة الأكثر خطورة في الصيف هي بعض اللحوم والدواجن النيئة، وذلك بسبب عدم نضج مركز اللحم بالشكل الكافي ما يجعل البكتيريا حية لفترة طويلة، كما أن بعض الأسماك والمأكولات البحرية تفسد بسرعة شديدة مع الحرارة وتتطلب حفظا ثلجيا مستمرا، إضافة إلى أن البطيخ عند تقطيعه بسكين غير نظيف أو تركه عرضة للشمس وهو مقطع يجعله بيئة خصبة للبكتيريا.
الأعراض
وتختلف أعراض التسمم الغذائي بناء على: نوع الميكروب وكمية الطعام الملوث التي تم تناولها، وقوة مناعة الجسم، وتبدأ الأعراض في الظهور خلال فترة تتراوح بين ساعتين إلى 48 ساعة من تناول الوجبة الملوثة، وأهم الأعراض الشائعة: غثيان مستمر ورغبة عارمة في القيء وتقلصات وآلام شديدة في البطن وإسهال مائي أو مدمم في بعض الأحيان وارتفاع طفيف في درجة الحرارة وصداع وشعور عام بالإعياء والوهن.
وعلى الرغم من أن معظم الحالات تزول تلقائيا، إلا أن هناك علامات حمراء تتطلب التدخل الطبي العاجل مثل: الجفاف الشديد وجفاف الفم، قلة التبول أو انعدامه، الدوار الشديد عند الوقوف، والقيء المستمر لأكثر من 12 ساعة، والارتفاع الشديد في الحرارة حيث تتجاوز 38.5 درجة مئوية، ووجود دم في البراز أو القيء، ويتعرض الأطفال الرضع وكبار السن والحوامل وأصحاب الأمراض المزمنة ومصابي ضعف المناعة لمخاطر التسمم أكثر حيث تتضاعف لديهم المخاطر بسرعة.
لذا علينا أن نأخذ في الاعتبار الخطط الوقائية السهلة التالية:
- الإسعافات الأولية المنزلية:
• تجنب تناول الطعام الصلب لعدة ساعات بعد القيء لتعطي فرصة للمعدة كي تهدأ.
• ترطيب الجسم بكميات صغيرة من السوائل ولكن متكررة، بالإضافة لشرب الماء والشوربة المصفاة والأعشاب مثل البابونج والنعناع.
• العودة التدريجية للطعام، فعند الشعور بالقدرة على تناول الطعام ابدأ بأطعمة خفيفة وسهلة الهضم مثل: الموز الغني بالبوتاسيوم، والأرز الأبيض المسلوق، والخبز المحمص والتوست الأبيض.
• تجنب تماما منتجات الألبان والكافيين والأطعمة الدهنية والمقلية والتوابل الحارة حتى تمام الشفاء.
- العلاج الطبي والدوائي:
• يحظر تماما تناول أدوية توقيف الإسهال دون استشارة الطبيب، خاصة إذا كان هناك حمى أو دم في البراز، فالإسهال هو وسيلة الجسم الطردية للتخلص من السموم والبكتيريا، وإيقافه قسريا قد يحبس الميكروبات داخل الأمعاء ويفاقم الحالة.
• لا تستخدم المضادات الحيوية دون استشارة الطبيب.
• في حال الجفاف الحاد والقيء المستمر، يتم نقل المريض للمستشفى.
كما تقدم منظمة الصحة العالمية وهيئات سلامة الغذاء للوقاية أربع قواعد للسلامة على النحو التالي:
أولا: الاهتمام بالنظافة:
• غسل اليدين بالماء الدافئ والصابون لمدة لا تقل عن 20 ثانية قبل إعداد الطعام، وبعد استخدام المرحاض، وبعد لمس اللحوم النيئة.
• غسل أسطح المطبخ وألواح التقطيع والأواني جيدا وتطهيرها.
• غسل الخضراوات والفواكه بالماء الجاري بشكل دقيق، ويفضل نقع الورقيات في ماء وخل لبضع دقائق ثم شطفها.
ثانيا: الفصل بين الأطعمة:
• استخدم لوح تقطيع وسكينا خاصا للحوم والدواجن النيئة، ولوحا آخر منفصلا تماما للخضراوات والأطعمة الجاهزة للأكل.
• ضع اللحوم النيئة دائما في الرف السفلي لمنع تساقط عصارتها على الأطعمة الأخرى.
ثالثا: الطهي الجيد:
• الحرارة هي العدو اللدود للبكتيريا، يجب طهي اللحوم والدواجن والأسماك حتى تصل إلى درجات الحرارة الداخلية الآمنة.
• تأكد من أن الدواجن لا تحتوي على أي لون وردي في الداخل، وأن العصارة الناتجة عنها شفافة تماما.
رابعا: التبريد السريع مع الحفظ:
• لا تترك الأطعمة المطبوخة أو السريعة التلف خارج الثلاجة لأكثر من ساعتين، وإذا كانت درجة الحرارة المحيطة تتجاوز 32 درجة مئوية فإن هذه المدة تتقلص إلى ساعة واحدة فقط.
• اضبط درجة حرارة الثلاجة لتكون دائما تحت 4 درجات مئوية، والفريزر تحت (-18) درجة مئوية.
• عند الرغبة في إذابة اللحوم المجمدة، لا تتركها أبدا على الرخامة في المطبخ لتذوب بحرارة الغرفة، بل داخل الثلاجة مسبقا أو باستخدام الفرن أو غمرها في ماء بارد مع تغيير الماء كل نصف ساعة.
في النهاية أصبحنا ندرك الآن أن الاستمتاع بأجواء الصيف لا يعني التنازل عن معايير السلامة الصحية، فالتسمم الغذائي رغم كونه تجربة قاسية، إلا أنه مرض يمكن تجنبه بنسبة 100 % إذا ما تسلحنا بالوعي واتبعنا خطوات بسيطة في التعامل مع الغذاء، لذلك اجعل من النظافة والفصل والطهي الجيد والتبريد السريع نظاما صارما لمطبخك هذا الصيف، لتضمن لنفسك ولعائلتك صيفا آمنا وممتعا، خاليا من آلام الأمعاء.