الثلاثاء 27 فبراير 2024

طريق الكباش وتسويق الدولة

مقالات15-12-2021 | 19:05

منذ بداية التاريخ، طور البشر تقاليد للاحتفال بالأحداث المهمة فى حياتهم، وفى مجتمعاتهم، مثل تغيير الفصول، ومراحل اكتمال القمر وحصاد المحاصيل وتوارثوا الاحتفال بها من جيل إلى جيل لتصبح هذه الأحداث علامات بارزة تميز المكان.

وبمرور الوقت احتضنت الشركات والأعمال، الأحداث الخاصة والفعاليات كعناصر أساسية فى استراتيجيات التسويق والترويج لصورتها ثم بدأت الحكومات تدعم هذه الأحداث وتروج لها كجزء من استراتيجياتها للتنمية الاقتصادية، وبناء الدولة، وتسويق الوجهات.

 

ونتيجة لذلك تحولت الأحداث الخاصة والفعاليات إلى صناعة نامية، ويقترح دونالد جيتز، فى كتابه الصادر عام 1997 بعنوان "إدارة الأحداث وسياحة الأحداث"، أن الأحداث الخاصة يتم تحديدها بشكل أفضل من خلال سياقها أو نطاق تأثيرها، مثل الحاضرين والتغطية الإعلامية والبنية التحتية والتكاليف والفوائد العائدة على الجهة منها. وقسمها إلى أربعة أنواع: أحداث ضخمة، وأحداث ذات سمة مميزة وأحداث كبرى وأحداث محلية، بالنسبة للأحداث الضخمة، يُقصد بها الأحداث الكبيرة جداً لدرجة أنها تؤثر على اقتصاديات دولة بأكملها ويتردد صداها فى وسائل الإعلام العالمية. وطبقاً لتعريفات بعض الدارسين فيجب أن يتجاوز حجمها مليون زيارة، وتكون تكاليفها على الأقل 500 مليون دولار، ويتم تسويقها كحدث "لا بد منه" ومن نتائجها مستويات عالية من السياحة والتغطية الإعلامية والتأثير الاقتصادي.

 

وهناك الأحداث ذات العلامة المميزة وهى ترتبط بروح وجهة سياحية معينة، بحيث تصبح مرادفة لاسم المدينة أو المنطقة التى تنشأ فيها وهى حدث متكرر له أهمية من حيث التقاليد أو الجاذبية أو الصورة أو الدعاية ويوفر للمكان المضيف أو المجتمع أو الوجهة ميزة تنافسية. وبالطبع، يحتاج كل مجتمع ووجهة إلى حدث مميز أو أكثر لتوفير مستويات عالية من التعرض له والصور الإيجابية التى تساعد على خلق مزايا تنافسية له، أما الأحداث الكبرى (الدولية والمحلية على حد سواء) هى الأحداث التى تستطيع جذب أعداد كبيرة من الزوار والتغطية الإعلامية والفوائد الاقتصادية، وقد تكون مثل الألعاب الرياضية أو المهرجانات الثقافية ويمكن أن تشمل أيضًا الأحداث التى تركز على الأعمال التجارية مع الاهتمام بالجوانب السياحية.

ومن التنظير الأكاديمى إلى الواقع النظرى قدمت مصر نموذجاً مميزاً فى حدثين عالميين الأول موكب نقل المومياوات والثانى افتتاح طريق الكباش، لتعيد تسليط الضوء على عظمة وسحر الحضارة المصرية القديمة، وبينما تمتلك مقومات المكان وعظمة التاريخ أدارت الدولة هذا الحدث الضخم لتلفت انتباه العالم باحتفالية احترافية على أعلى مستوى تسوق للدولة وللوجهات السياحية بها.

فمما لا شك فيه أن الأحداث الخاصة التى تديرها الدولة تعد عملاق ناشئ فى صناعة السياحة، إذ يمكن أن تؤثر على صورة الوجهة ويسوق لها وبالتالى يسوق للدولة ما يمكّن من نمو التدفقات السياحية ويميز الوجهة عن المنافسين.

والذى يقارن الصورة السابقة للطريق الذى يمتد بطول ٢٧٠٠ متر، يتعجب من ما حدث فيه، فالفارق واضح وبعد طول إهمال تم ترميمه وتحول الحلم المؤجل إلى واقع، كان أغلب الطريق قد دُفن تحت الأرض وبنى فوقه مبان مخالفة فتم إزالة التعديات والكشف عن بقية الطريق القديم وترميمه وترميم الكباش، ليربط الطريق بين معبد الأقصر ومعبد الكرنك ويعيد الترويج لمدينة الأقصر كوجهة سياحية متميزة أو الترويج لأكبر متحف مفتوح فى العالم.

الاحتراف فى إدارة أجزاء الحفل، الموسيقى والمغنين والراقصين والألوان واللغة وطريقة العرض ومكونات الصورة على خلفية المبانى ذات الطراز الفرعونى مثلت عوامل جذب، خاصة المسرح الذى تم إقامته على البحيرة المقدسة داخل معبد الكرنك لتنفيذ بعض العروض الاستعراضية، ليحظى هذا الحدث بإشادة من وسائل الإعلام العالمية، ويؤكد انه حينما نريد فإننا نستطيع.