السبت 25 مايو 2024

وكنَّا صغارًا..!!

مقالات29-3-2023 | 13:06

وكنا صغاراً نحلم بقدوم شهر رمضان الكريم بما يصاحبه من طقوسٍ شعبيةٍ، واحتفالاتٍ رسميةٍ ودينيةٍ تجعل لقدوم هذا الضيف العزيز شوقاً واحتفاءً به قبل أن تهلّ علينا أيامه، وتحلّ بركاته، ففي اليوم الذي يتم في ليلته استطلاعُ هلال شهر رمضان، كان يجري في عصْر ذلك اليوم احتفالٌ شعبيٌ رسميٌ؛ بمعنى أن يخرج المحافظ من مبنى المحافظة لاستقبال موكب الرؤية، والذي يتشكَّل من سيارات ممثلة للمراكز التابعة للمحافظة تعلوها لافتات المباركة لشعب المحافظة والمحافظ بقدوم رمضان، ويتقاطر الموكب حيث تشارك فيه الهيئات الحكومية الرئيسة بسياراتها وكذلك الطرق الصوفية بغنائها الديني والمدائح النبوية، كل ذلك يجري في وجودٍ شعبيٍ يوصف بالازدحام.                                                                                                                                                                   

وكنا صغاراً نحلم بقدوم شهر رمضان المعظم بما يصاحبه من طقوسٍ شعبيةٍ؛ تتمثَّل في شراء الفوانيس الزجاحية الملوَّنة التي تستخدم الشموع؛ حيث كنا نستغرق وقتاً طويلاً في إشعالها ثم تثبيتها في فوانيسنا، ولا تلبث أن تنطفئ بهبَّةِ هواءٍ أو بتطويحٍ زائدٍ أو بنفخةٍ من زفير طفلٍ زاد مزاحه حينما نخرج للعب مع رفاقنا، كانت الأمكانات بسيطةً لكن الشغف لم يفارقنا، لم يفارقنا ونحن نلتهم قطع الكنافة أو القطايف المصنوعة منزلياً بأقل التكاليف، لم يفارقنا ونحن نلعب بهذه اللعب البسيطة مشاركةً ببراءةٍ مع رفاقنا، ونمارس ألعابنا أمام المنازل دون خوفٍ من خطر سيارة أو خشيةٍ من تعدِّي أحد ليس لنا من حظوظ اللهو سوى الاستماع إلى  برامج ومسلسلات الإذاعة المصرية.

وكنا صغاراً نحلم بقدوم شهر رمضان المعظم، وما يصاحبه من كثرة زيارات الجيران والأقارب، كنا نعرف كل أسماء أقاربنا وأولادهم ودرجات قرابتهم، وهذا الدفء الاجتماعي اللازم لبناء شخصية سوية، حيث يهنئ الكبار بعضَنا ممن تجاوز عامه العاشر واستطاع إكمال يومه صائماً، كنا نفرح بهذا التشجيع ونتسابق على الصيام بمعناه المبسَّط وهو الامتناع عن الطعام والشراب حباً في أن ينظر الجميع إلينا أننا تجاوزنا مرحلة الطفولة إلى مرحلة تحمُّل المسئولية، فلم نشغل عقولنا بما ورد في تاريخ بعض الشعراء من عدم الترحيب بشهر رمضان مثلما فعل ابن الرومي حينما قال: (فليْتَ الليلَ فيه كان شهراً ## ومرَّ نهارُه مرَّ السحاب) أو كما قال معبراً عن اضطراره للصوم خوفاً من عقاب الله سبحانه وتعالى:  (شهرُ الصيام مُبارَكٌ ## ما لم يكن في شهر آب) أو ما قال أبو نواس: ( ألا يا شهرُ كم تبْقَى؟ مرضنا ومللناك ## إذا ما ذُكر الحمدُ لشوَّالٍ ذمَمْناك) ولكن الملاحظ أن عدم الترحيب بشهر رمضان لم يظهر إلا عند شاعريْنِ أو ثلاثةٍ من شعراء العصر العباسي الذي اتسم بكثرة المُتَع الحسيِّة، والرغبة الشديدة في إشباع الشهوات، والمجاهرة بارتكاب المعاصي؛ فأبو نواس شاعر الخمر يجاهر بهجاء شهر رمضان هجاءً صريحاً دون مراعاةٍ للشعور الشعبي، أو خوفٍ من عقوبة وليِّ الأمر.

ولم يكن يعنينا قصيدةُ شوقي أمير الشعراء في وداع رمضان والذي انقلبت عليه الدنيا حينما كتبها، حيث عبَّر فيها عن سعادته بانتهاء شهر الصوم، كي يعاود شرْبَ الخمر، ويقول مطلع القصيدة: (رمضان ولَّى هاتِها يا ساقي ## مشتاقةً تسعى إلى مشتاقِ)، وأحدثتْ القصيدة جدلاً واسعاً ما بين لائمٍ لأمير الشعراء وبين باحثٍ عن التأويل لمغزى القصيدة،  ويحكي الشيخ محمد متولي الشعراوي عن انزعاجه ورغبته في لقاء شوقي فيقول : "عندما التقينا به سَألني شوقي: ما الذي تحفظه عني؟ فعددتُ له قصائدَ عديدةً، فسألني: ومن الذي دفعك إلى هذا؟ قلت له إن والدي كان يمنحني مالًا عن كل قصيدةٍ أحفظها لك، فتبسَّم قائلا: مرحباً بك، وقلت له: إن لنا عتابًا عليك، فسألني: فيمَ العتاب؟!، فقلت له: ما  حكاية (رمضان ولَّى هاتها يا ساقي)، فضَحكَ شوقي كثيرًا.. وقال: ألستُم حافظين للقرآنِ الكريم؟!، قلنا: بالطبع نحفظه، فقال شوقي: ألا تعرفون الآية التي تقول: (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) وكان ردًا أفحمَنا".                               

وبالتجوُّل في حدائق الشعر الأفريقي، اكتشفت نصاً رائعا بعنوان (كسوف)  للشاعرة "ريبكا سيباتو" من إريتريا حيث أدهشتْني عدةُ ملاحظاتٍ: فدولة إريتريا يتقاسم سكانها الديانتين الإسلامية والمسيحية مناصفة، وأن الكثيرين من سكانها يتكلمون اللغة العربية ومع ذلك هي دولة أفريقية وفقط، والملاحظة الأخيرة عنوان القصيدة الذي جاء مُكثَّفاً لقصيدة عميقة راصدة لما يثير العجب:

 ترصد القصيدة صوراً لسقوط الإنسانية في الاختبار الحقيقي للمبادئ التي تطنطن بها منظمات دولية كالأمم المتحدة، حيث لم يزل هناك الكثيرُ من البشر يهلكون من الجوع بعد معاناةٍ شديدةٍ تتجاور هذه الصورة مع صورةٍ قاتمةٍ لأناسٍ ينامون ظاهريا بالأعين ولم تنم أرواحهم من شدة الأحزان، هاتان الصورتان البائستان تقارنهما الشاعرة بصورة المترفين الذين تصل تصرفاتهم المالية حد السفه؛ فينتقلون من أقصى شرق العالم إلى غربه أو من أقصى شماله إلى جنوبه لماذا...؟!!! للاستمتاع برؤية كسوف الشمس وما يظهر على وجوه الرائين من دهشةٍ تتجلَّى في فتح الأفواه.. إنه الكسوف الذي يذهب بنور الحقيقة، ويطمس البصيرة فلا ترى إلا ملذَّاتها، ولا يعنيها سوى إشباعها.. فإلى هذه اللوحة الرائعة قصيدة (كسوف) والإريترية "ريبكا سيباتو": 

هناك أشخاصٌ يتضوَّرون جوعاً حتى الموت.. وهناك أشخاصٌ غيرهم ممن يُغمضون عيونَهم ... في ليالي الشتاء... وقد تملَّكهم الحزن.. في حين أن هناك من يطير من أحد طرفي العالم إلى الطرف الآخَر لينظر مليَّاً .... إلى أفواهٍ فاغرةٍ عند الكسوف.

الاكثر قراءة