الإثنين 17 يونيو 2024

غسان كنفانى قلم ثائر .. وإبداع هادر

مقالات13-12-2023 | 13:37

نجم بلغ ذروة السطوع ثم انفجر، لكن أنواره تأبى الأفول أو التلاشى، هادىء هدوء البراكين عند غفوتها، ثائر ثورة ذات البراكين عند غضبتها، لكن ثورته كانت فكراً واعياً، وخطابا سياسيا ناضجا، وأدبا قصصيا رائعا، وفنا تعبيريا متميزا، وتأريخاً صادقا لمسيرة الكفاح الفلسطينى، مبدع خلاق، وكأنه قد استأثر بكل جينات الإبداع، فأضحى (كوكتيل مواهب)، يكتب القصة والرواية والمسرحية والكتاب الفكرى والمقال الصحفى، ويرسم لوحات رائعة، حاضر البديهة، واسع الاطلاع، مؤرخ وطنى، استطاع ترويض خيول السياسة والأدب، وامتطى صهوة خيولها، يسابق الزمن، يصارع الموت، الذى راح يطارده فى شراسة وعنف، فحاول أن يتعاطى دواء الرومانسية، فتحول الدواء إلى داء جديد وعنيد، تحالف مع أمراض السكر والقلب، ولكن الفتى المقاتل، امتلك القلم الثائر، والعقل المفكر، فراح يبشر بالثورة والحرية، من خلال إبداع هادر، يجسد مدرسة واضحة المعالم، فى كل كتاباته الصحفية والأدبية، التى تعبر عن رحلة العذاب الفلسطينية، وتجسد الآمال والطموحات التى يهفو إليها هذا الشعب المناضل، إنه الأديب الثائر غسان كنفانى، أحد أهم وأبرز المبدعين الثائرين فى التاريخ الفلسطينى المعاصر، والذى عاش حياته القصيرة، يناضل على ثلاث جبهات، جبهة النضال ضد العدو الصهيونى، وجبهة النضال ضد المرض، وجبهة النضال من أجل الأدب والإبداع.

ولد غسان كنفانى فى التاسع من أبريل 1936 لعائلة متوسطة فى مدينة عكا، الأب محمد فايز كنفانى والأم عائشة السالم، وبعد مولده بعشرة أيام تم إعلان الإضراب العام فى كل أنحاء فلسطين، وتقرر الامتناع عن دفع الضرائب، احتجاجا على سماح الانتداب البريطانى، باستمرار هجرة أفواج الصهاينة للبلاد واستقرارهم بها، وقد شهد عام 1936 الثورة الفلسطينية الكبرى ضد الإنجليز واليهود، وانتقل غسان مع أسرته إلى يافا، حيث تلقى دراسته الابتدائية فى مدرسة إرسالية فرنسية حتى عام 1948، وتسارعت الأحداث بعد صدور قرار الأمم المتحدة 181 فى نوفمبر 1947، بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود، حيث راحت العصابات الصهيونية تقتل الفلسطينيين، وتجبر الأحياء على ترك بيوتهم، واحتلت عصابة الهاجاناه عكا ويافا، وتم إعلان الكيان الصهيونى فى مايو 1948، فانتقل غسان مع أبويه وجده وسبعة أشقاء إلى لبنان، ومنها إلى سوريا، لتبدأ رحلته القاسية فى مخيمات اللاجئين، وأرغمته الظروف على العمل، للمشاركة فى إعالة تلك الأسرة الكبيرة، وحصل على الشهادة المتوسطة بعد دراساته الليلية، وذلك فى عام 1953، ثم حصل على الثانوية العامة عام 1954، ليبدأ التدريس فى مخيمات اللاجئين فى دمشق، والتحق فى ذات الوقت بكلية الآداب جامعة دمشق فى قسم الأدب العربى، ومنعت الظروف السياسية، ورحيله عن سوريا حصوله على الشهادة الجامعية.
انضم إلى حركة القوميين العرب فى عام 1954 واستمر بها حتى تم حلها بعد عدوان يونيه 1967، وقد ولدت حركة القوميين العرب فى لبنان بعد النكبة عام 1948، وأهم قادتها جورج حبش – وديع حداد – أحمد الخطيب، وأعلنت أن تحرير فلسطين هو مبرر وجودها، وأن فلسطين هى بوصلة الثورة العربية، ولذلك حرصت دائما على شعار الثأر، وعلى رفض كل المشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية، مع رفض المساومة والمساومين، وتطور فكرها إلي الكفاح الشعبى المسلح، وقد خرجت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من رحم حركة القوميين العرب، ولذلك انتقل إليها غسان كنفانى، وظهرت الجبهة الشعبية فى ديسمبر 1967، وكان أهم قادتها أحمد سعدات، أبوعلى مصطفى، جورج حبش، وغسان كنفانى، الذى تولى كل شئون الإعلام بالجبهة، وأصبح المتحدث الرسمى باسمها، ترك غسان سوريا وذهب إلى العراق لفترة قصيرة جدا، ليعمل فى المجلة التى يصدرها فرع القوميين العرب فى بغداد، ومن العراق ذهب إلى الكويت فى رحلة شديدة القسوة والخطورة، سجل بعض ملامحها فى روايته المهمة (رجال فى الشمس)، وصل إلى الكويت فى عام 1956، ليعمل مدرسا للتربية الفنية فى مدرسة الغزالى الابتدائية، ومسئولا عن المكتبة، ومهتما بتربية الحس الموسيقى للأطفال، وليعانى وحشة الغربة وقسوتها، مما انعكس على كتاباته ورسوماته فى تلك الفترة ، ولم ينقذه إلا القراءة الجادة المكثفة، التى جعلته يمتلك (موسوعية التلقى)، ليرتقى بعد ذلك صهوة (موسوعية الإنتاج)، مما أسهم بدور كبير فى نضجه الفكرى والفنى، وظهر ذلك جليا فى منطقية تفكيره، وبراعته فى إدارة الحوار، وتطويع كلماته لأفكاره، تلك الأفكار التى كانت سيالة ومدهشة، فى صياغات سلسلة ومشوقة، يزيدها توهجا تعليقاته اللاذعة، وكان غسان قد نشر أول قصة بعنوان (شمس جديدة) فى مجلة الآداب البيروتية عام 1956، وقد نشر هذه القصة فى مجموعته القصصية (أرض البرتقال الحزين).
عاد غسان إلى بيروت أواخر عام 1960، ليتفرغ للصحافة والتأليف والنضال السياسى، وقد عمل فى البداية محرراً أدبياً لجريدة الحرية الأسبوعية، وقد عمل على توظيف امكاناته الإبداعية والفكرية والنضالية، للدفاع عن محنة شعبه وقضايا أمته، من خلال عشرات الإبداعات الأدبية والفكرية المهمة، والتى جعلت منه مبدعاً كبيراً ومناضلاً صلباً.
ورغم تميزه فى عالم الإبداع الأدبى، إلا أنه كان صحفياً موهوباً، تميز فى كتابة الافتتاحية والعمود والخبر المحلى والخارجى، والتحقيق والحوار والترجمة، إضافة إلى الرسم والكاريكاتير والملصق السياسى، وكان من القلائل الذين استفادوا من التقنية الصحفية فى تجديد الأشكال الإبداعية للقصة والرواية.
وكانت بيروت فى مرحلة الستينيات، تتمتع بكثير من حرية الصحافة، وتحتضن الموهوبين، وبها الكثير من دور النشر ذات الاتجاهات اليسارية واليمينية، واستطاع غسان كنفانى أن يستثمر هذا المناخ، فعمل فى مجلة الحوادث، ثم عمل فى صحيفة المحرر، التى تصدرها حركة القوميين العرب، وأصدر من خلالها ملحق فلسطين، وكان يحرر هذا الملحق بمفرده، ويرسم غلافه أيضا، وفتح هذا الملحق أمام المواهب الشابة الفلسطينية، ليصبح الأكثر انتشاراً فى المخيمات، وفى عام 1967 انتقل للعمل فى جريدة الأنوار مع سعيد فريحة ، والذى كان معجباً بأسلوب غسان، وشجعه كثيرا وجعله رئيسا لتحرير ملحقها الأسبوعى، وكان يكتب عمودا بالصفحة الأولى (أنوار على الأحداث)، وفى ذات العام ولدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتحول غسان إلى واحد من أبرز قياداتها، والمتحدث الرسمى باسمها، وفى عام 1969 طلبت الجبهة الشعبية من غسان تأسيس مجلة الهدف وأن يرأس تحريرها، فقدم استقالته إلى سعيد فريحة، تلك الاستقالة التى كانت قطعة من الأدب الرفيع، وفتح غسان صفحات المشهد أمام الكفاءات الشابة (عدنان بدر الحلو – محمود الريماوى – منى سعودى – إبراهيم أبوجوله – إسماعيل زاير – شريف الحسينى – غانم بيبى – نبيل زكى – محمود الداورجى ...... إلخ)، وتحول المشهد إلى منبر للتقدميين العرب، ومسرح لحوارات فكرية وأدبية وفنية عربية وعالمية، خاصة وأنها ترفع شعار (كل الحقيقة للجماهير) وساهم فيها بعض الكتاب الأجانب، وكانت أكثر المجلات إنتشاراً وتوزيعاً، كما تحولت إلى مصدر مهم للمعلومات عن الثورة الفلسطينية، وتحول مقرها على كورنيش المزرعة فى بيروت، إلى منتدى للمثقفين والسياسيين والأدباء، وساهم فى تحريرها عدد كبير من الصحفيين والأدباء العرب، كما تحول المقر إلى ملتقى للصحفيين والمراسلين الأجانب.
بعد استقراره فى بيروت إلتقى بالباحثة الدنماركية آنى هوفر، والتى جاءت إلى سوريا ولبنان فى عام 1961، لتدرس القضية الفلسطينية عن قرب، ورغم أن جدها كان من أوائل الثوريين فى الدنمارك، وكان والدها مناضلا، عمل طويلا فى خدمة الفقراء، وحارب الاحتلال النازى فى الدنمارك، ورغم أنها عملت مدرسة وناشطة فى الحقل الاجتماعى والثقافى، وخاصة فى الموسيقى الشعبية، وسافرت بصحبة فريق غنائي إلى عدة دول، رغم كل ذلك كانت معلوماتها مشوشة ومغلوطة عن القضية الفلسطينية، وفى يوغسلافيا تعرفت لأول مرة على القضية الفلسطينية وتعاطفت معها، وكان ذلك خلال مؤتمر للطلاب فى عام 1960، والتقت بشاب فلسطينى شرح لها مأساة شعبه وأرضه، التى اغتصبها اليهود بمساعدة الغرب، وعندما عادت إلى الدنمارك اكتشفت جهل مجتمعها بالقضية الفلسطينية، وتساءلت كيف نجح الغرب فى دفن القضية الفلسطينية بهذه السرعة، واكتشفت أن أكبر الصحف فى بلادها يسيطر عليها الصهاينة، وفى سبتمبر 1961 قررت الذهاب إلى سوريا ولبنان، لتتعرف على القضية الفلسطينية بكل تفاصيلها، والتقت غسان كنفانى الذى كان يعمل وقتها محررا فى مجلة الحرية الناطقة بلسان القوميين العرب، وفى اللقاء الأول طلبت منه أن تدخل المخيمات الفلسطينية، فصرخ فيها (وهل تعتقدين أن المخيمات حديقة حيوانات للفرجة)، ثم طلب منها أن تتعرف أكثر على القضية الفلسطينية قبل زيارة المخيمات، وتكررت اللقاءات بينهما، وبعد أسبوعين من لقائهما الأول طلب منها الزواج، ثم قال (لكننى أعيش بلا وطن ، بلا مال، بلا جواز سفر، بلا مستقبل، ومريض بالسكرى)، ورغم ذلك وافقت على زواجه، وأثمر هذا الزواج ولدين فايز الذى أصبح مخرجاً سينمائيا، وليلى التى أصبحت مدرسة، وكان غسان حريصا على ترجمة أعماله لزوجته، وأهدى إليها روايته المهمة رجال فى الشمس، أما أحب أعماله إلى قلبها فهى (أرض البرتقال الحزين – عائد إلى حيفا – عالم ليس لنا – ما تبقى لكم – أم سعد)، وكانت تعرف قصة أم سعد، وهى صديقة قديمة أحبها غسان، وكان يرى فيها رمزاً لفلسطين، ويتفاءل بها، وأطلق عليها اسم أم سعد، رغم أن اسمها الحقيقى أم حسين، وتروى آنى أن غسان قد كتب روايته المهمة (رجال فى الشمس) خلال شهرين فقط، حيث اختفى فى البيت عام 1962، عندما حدثت محاولة إنقلاب فى لبنان، ولم تكن لديه أى أوراق رسمية، فلازم البيت وكتب هذه الرواية.
وقد رفضت آنى الزواج بعد اغتيال غسان عام 1972، وتفرغت لتربية ولديها، ولإدارة مؤسسة غسان كنفانى الثقافية، التي تم انشاؤها فى ذكرى اغتياله الثانية 8 يوليو 1974، وترعى المؤسسة الأطفال فى مخيمات اللاجئين، وترعى أيضا الأطفال المعاقين جسدياً وعقلياً.
وقد بدأ المشروع الروائى لغسان كنفانى برواية رفض أن ينشرها فى كتاب، وهى رواية (اللوتس الأحمر المميت)، وكتبها عام 1961، وهى نفس الرواية التى نشرها على مدى سبعة عشرة أسبوعاً فى مجلة الطليعة الكويتية عام 1963 بعنوان العبيد، وقد نشرت برسومات للفنان ناجى العلى، الذى اكتشف غسان مواهبه فى مخيم عين الحلوة، وتسجل الرواية حياة بطل (هشام)، سلبى هروبى – يحاول تدمير ذاته بالهروب من ماضيه النضالى، بعد أن اكتشف أنه مريض بالقلب، وأن حياته مهددة بالموت بين لحظة وأخرى، والرواية بها أيضا النقيض الإيجابى (عدنان)، الملتزم الواعي ، الذى يلمع فى حياة هشام كالأمل، وقد رفض غسان نشر هذه الرواية خشية أن يتم إسقاط حالة بطلها على حياة غسان نفسه، نتيجة الشبه الكبير بينهما فى المرض والتجربة النضالية، كما أن رواية العبيد لم تكن تتفق مع التطور الفنى الذى وصل إليه، وفى هذا الإطار له أيضا رواية بوليسية بعنوان (الشىء الآخر)، نشرها فى مجلة الحوادث اللبنانية عام 1966، ولم تنشر فى كتاب إلا بعد رحيله.
وقد أنتج غسان كنفانى العديد من الروايات، يأتى فى مقدمتها رجال فى الشمس – ما تبقى لكم – أم سعد – عائد إلى حيفا، وهى روايات مكتملة البناء الفني والروائى والفكرى، وله أيضا بعض الروايات الأخرى (العاشق – الأعمى والأطرش – برقوق نيسان)، وفى كل أعماله يبحث فى عمق الأعماق، يلهث خلف الرجال الذين يبحثون عن الأمل ، حيث يرى أن الشعوب لا تغتال ولا تفنى ولا تتنازل عن حقوقها المشروعة، أمام إرهاب القوة الغاشمة، ويؤكد على أن التاريخ لا تصنعه أسلحة الدمار الشامل، وإنما تصنعه إرادة الشعوب المناضلة الصامدة، وأقلام الكتاب الشرفاء الأحرار، وأفكارهم النبيلة، وإبداعاتهم الخالدة، ومن هذا المنطلق فإن إبداعات غسان كنفانى فى القصة والرواية، من أهم معالم الشخصية الفلسطينية القومية، ومن أهم منجزات الأدب العربى الحديث، فكتب فى إحدى قصصه (وقفت عند أبى عثمان حلاق قرية الرملة، حيث سقطت، أوقف اليهود أهلها صفين، بينهم وقفت زوجته وابنته فاطمة، صغيرة سمراء فى الخامسة، كل الناس كانوا يعرفون (أبا عثمان)، ويعرفون كل تفاصيل حياته، منذ قذفت به ثورة جبل النار (يا للهول الذى أصاب جبل النار ومدينته عروس الضفة)، ومنذ قامت الحرب باع كل شىء، واشترى أسلحة كان يوزعها على أقاربه، ليقوموا بدورهم فى المعركة، حتى انقلبت دكانته إلى مخزن للأسلحة والمتفجرات، ولم تكن لأبى عثمان سوى أمنية واحدة، أن يدفن فى مقبرة الرملة الجميلة، وحين قتل اليهود فى ذلك الصباح ابنته ثم زوجته، حمل أبوعثمان الجثتين على ذراعيه الواهنتين، ولما عاد فى المرة الثانية، لم يكن يحمل الملاءة البيضاء فقط، وذلك حين ذهب إلى غرفة القائد الإسرائيلى لكى يعترب بما يعرف، سمع الناس انفجاراً هائلا هدم الدار، وضاعت أشلاء أبى عثمان تحت الأنقاض، ولم يدفن فى مقبرة الرملة الجميلة)، ومن هذه الحالة التى تجسد المقاومة والتضحية، ينتقل إلى حالة (مولد الأمل) فى أم سعد فيكتب (وضعت صرتها الفقيرة فى الركن، وسحبت من فتحتها عرقاً بدا يابساً ورمته نحوى، قطعته من دالية صادفتنى فى الطريق، سأزرعه لك على الباب، وفى أعوام قليلة تأكل عنباً (.......) سأزرعه وسترى كيف يعطى عنباً، هل قلت لك إنه لا يحتاج إلى ماء، وأنه يعتصر حبات التراب فى أعماق الأرض ويشربها، وقد صدقت أم سعد، سمعت صوتها يعبر من بين المصراعين المفتوحين، برعمت الدالية يا ابن العم برعمت، وخطوت نحو الباب حيث كانت أم سعد منكبة فوق التراب، تنظر إلى رأس أخضر كان يشق التراب بعنفوان له صوت)، وهكذا فى غالبية أعماله يزرع شمس الأمل، وقد اعتمد فى أم سعد البناء الملحمى، الذى يقوم على لوحات متعددة، مستقلة، ومتلازمة فى ذات الوقت وقد استطاع فى روايته الأهم (رجال فى الشمس)، أن يؤسس لوجود بناء ثقافى لقضية وطنه، فيها سمات القضايا الإنسانية الكبيرة فى التاريخ، ولأنها كذلك، فالحالات الإنسانية التى فيها تتكرر مادام الظلم باقيا، ورواية رجال فى الشمس من أوائل الروايات الفلسطينية، التى تتحدث عن التشرد والموت والحيرة، حيث يروى قصة ثلاثة فلسطينيين، يلتقون حول إيجاد حل فردى لمشكلة الإنسان الفلسطينى المعيشية، عبر الهرب إلى الكويت حيث النفط والثروة، وذلك بالاختباء فى خزان المياه الذى تحمله سيارة نقل كبيرة، ولكنهم يموتون داخل خزان المياه، وكان الأولى بهم أن يموتوا شهداء داخل الوطن، وقد عجزوا حتى عن دق جدران الخزان، ليقول السائق عندما اكتشف موتهم (لماذا لم تدقوا الجدار)، ليؤكد أن الحلول الفردية لن تجدى.
وفى رواية (ما تبقى لكم)، يقدم الشعب الفلسطينى قبل انطلاق المقاومة، وأهدى الرواية إلى (خالد العائد الأول الذى مايزال يسير)، ويؤكد من خلال أحداث الرواية الوعى العميق الذى ينفذ إلى المستقبل.


وفى رواية عائد إلى حيفا، تترك صورة الشهيد عند نزعها من الحائط أثراً غائراً فى الحائط، وفى نفوس سكان البيت، ليصبح الأحق بالصورة الموجودون داخل الأرض المحتلة، فى مواجهة بطش العدو، وفى هذه الرواية يقول سعيد لزوجته صفية (أتعرفين ما هو الوطن؟، الوطن هو ألا يحدث ذلك كله).
وقد استطاع غسان كنفانى فى كل رواياته، أن يحافظ على التوازن بين شروط وضوابط الفن، مقابل شرف القضية وعدالتها، حيث قدم بناء روائيا، يتوافق مع المضامين الإنسانية، من خلال وحدة عضوية متماسكة، كما انطلقت رؤيته الفنية وحلمه الأدبى، من التعويل على الفلسطينى الذى لم يعش قسوة النكبة، وآلام النكسة، ولذلك اختار الطفل الذى لم يعرف وعيه الهزيمة، بل ولد فى معسكرات الصمود، الذى يبشر بالنموذج الفلسطينى المناضل، وطريق استرداد الأرض.
يمتلك غسان كنفانى مسيرة إبداعية قصيرة بحساب الزمن (12 سنة فقط) ولكنها ثرية وعميقة بحساب الإبداع، حيث أنتج خلال أثنى عشرة عاماً عشرين كتابا، تنوعت بين الروايات والقصص والمسرحيات والدراسات الاجتماعية والفكرية، إضافة إلى رسوماته، والأحاديث التى أجراها هو ، أو التى أجريت معه، ومئات المقالات السياسية والاجتماعية، ثم تلك المقالات الساخرة التى كان ينشرها بتوقيع (فارس فارس)، والتى شكلت طرازاً فريداً فى النقد الاجتماعى بأسلوب ساخر وظريف، ورغم جسده المسخن من سهام الأمراض، إلا أنه كان عاشقاً للحياة، يهادن الأسقام، ويكتب بين فواصل نوبات الألم، ويناضل باندفاع بركانى لا مثيل له، وقد كتب فى واحدة من يومياته (أعيش نصف حى، نصف ميت، إنه لثمن باهظ بلا شك أن يشترى الإنسان حياته اليومية بموت يومى)- كما كتب فى يومياته أيضا (إننى مريض، نصف حى يكافح من أجل أن يتمتع بهذا النصف، كما يتمتع كل إنسان بحياته كاملة)، ورغم هذه الأمراض كان يقوم بعدة أعمال فى وقت واحد، يكتب المقال، يرد على الهاتف، يتحدث مع زائريه، يكتب مقاطع من رواية أو قصة، وقد توالت أعماله سريعة، وكأنه كان يتعجل تقديم شهادته قبل استشهاده، فراح يسعى إلى خدمة قضية بلاده بكل الوسائل الممكنة، وبالعمل الدائب المستمر، وقد طلب منه بعض الأصدقاء، أن يتخفف من بعض أعبائه، بترك الصحافة، التى يبذل فيها جهداً كبيراً، فقال لهم (الآن تشتد علىّ نصائح الأصدقاء، بأن لا أولى الصحافة كل هذا الاهتمام، فهى بالنهاية كما يقولون، ستقضى على إمكانياتى الفنية لكتابة القصة، وأنا بصراحة لا أفهم هذا المنطق، فهو نفس منطق النصائح التى كنت أسمعها وأنا فى المدرسة الثانوية (أترك السياسة واهتم بدروسك)، والنصائح التى سمعتها بعد ذلك فى الكويت (أترك الكتابة واهتم بصحتك)، هل كان عندى حقاً خيار بين المدرسة والسياسة، الكتابة والصحة، حتى يكون عندى الآن خيار بين الصحافة والقصة ؟، أنا أريد أن أقول شيئا، أحيانا أستطيع قوله بكتابة الخبر الرئيسى فى صحيفة الغد، وأحيانا بصياغة الافتتاحية، أو صياغة خبر صغير فى صفحة المجتمع، بعض المرات لا أستطيع أن أقول الذى أريده إلا بقصة، الاختيار الذى يتحدثون عنه ليس له وجود، وهو يذكرنى بأحد معلمى اللغة العربية، الذى يطلب مع بداية كل عام من تلامذته كتابة موضوعه الإنشائى المفضل، (أيهما تفضل حياة القرية أم حياة المدينة)، ومعظم التلامذة يعيشون فى المخيمات).
وقد ترك غسان كنفانى ثلاث مسرحيات، لا تتصل بالقضية الفلسطينية بشكل مباشر – ولكنها أقرب للتجريدات الفكرية منها للتصوير الواقعى الحى، وقد نشر فى حياته مسرحية (الباب) عام 1964، لخصها فى المقدمة قائلا (عاد هو الحفيد الثانى لنوح، وقبيلته تسكن الأحقاف، وأصابها القحط الشديد بسبب إلحادها، فأرسل عاد وفدا إلى مكة، ليستسقوا الماء، ونزل الوفد ضيفا على معاوية بن بكر، وأنساهم غناء الجاريتين مهمتهم، ورحل عاد ليرثه ابنه شديد، الذى مات هو الآخر ليرثه أخوه شداد، الذى بنى مدينة (إرم ذات العماد)، لكنه لم يستطع دخولها لغضب الآلهة، وحين يصر على ذلك تأخذه أصوات من السماء، ليموت وتنهار إرم)، وقد حرص غسان فى مقدمته على تحذير القارىء (أية محاولة لتطبيق أفكار لاحقة، وحقائق تاريخية، حدثت فيما بعد على وجهات نظر أبطال ذلك العصر، لن ينتج عنها سوى تشويش المسرحية وتحميلها ما لا تحمله)، ورغم ذلك تحمل مسرحية الباب إسقاطا عن مواجهة فلسطين للعدو الصهيونى من خلال التماهى مع مواجهة شداد للإله الوثنى (هيا)، الذى يمتلك القوة والبطش والتنكيل، وهناك إسقاط آخر عن الأنظمة العربية اللاهية عن قضية فلسطين، كما حدث مع وفد عاد، عندما ذهب إلى مكة بحثا عن الماء، فنسي مهمته أمام غناء الجوارى.


ومسرحية غسان الثانية بعنوان (القبعة والنبى) وهى فى فصل واحد عبارة عن كابوس (كافكاوى) وقد انتهى من كتابتها فى 13 أبريل 1967، ونشرت بعد استشهاده فى مجلة شئون فلسطينية، وتحكى عن متهم محكوم عليه بالإعدام، يحاصره الجميع لكى يأخذوا منه كائنا عاقلا، جاء من الفضاء، وفى النهاية يتحول هذا الكائن إلى قبعة على رأس سيدة، فتصبح هذه القبعة موضة لكل السيدات، وكأنها رمز للشرف الذى نحمله على رؤوسنا، وتحمل المسرحية الثالثة عنوان (جسر إلى الأبد)، وهى عبارة عن حلقات إذاعية، غير معروف تاريخ كتابتها، والمسرحيات الثلاث، أقرب للتجارب والمحاولات الأولية، لتوظيف أشكال المسرح الحديثة، لخدمة الأهداف السياسية والقومية، بصورة غير مباشرة، داخل أطر فنية محكمة، ورغم هذا فهى تعبر عن مواهب كاتبها وخصوبة خياله، وجرأة أفكاره، واقتحامه لآفاق مسرحية جديدة.


وقد امتلك غسان كنفانى موسوعية وشمولية الإبداع، حيث سار على خطى جبران خليل جبران (الأديب الرسام)، حيث لم تستطع جياد اللغة أن تستوعب موهبته، فامتطي صهوة الألوان، ليجعل الهم التشكيلى حاضراً وموازيا للهم الفنى الأدبى فى كل أعماله، وراح يرسم لوحات متنوعة، من حيث الموضوعات والمدارس الفنية، يحلق بريشته ليرسم لوحات انطباعية أو تجريدية أو (بورتريه) أو رمزية، أو رسوم للأطفال، وكان جريئا فى استخدام الألوان، وكأنه يسكب ألوان (قوس قزح) على لوحاته – محطما كل القواعد والأغلال التقليدية – يرسم اللوحات ليهديها لأصدقائه، وقد رسم أكثر من ثلاثين لوحة، وصمم العديد من أغلفة مجلة الهدف، وغلاف فلسطين فى ملحق المحرر، كما ترك العديد من أعمال النحت والكاريكاتير، وكان يعشق رسم الجياد، تلك الجياد التى لعبت دوراً مهما فى بعض رواياته، حيث كان يؤمن بأن الحصان بالنسبة للتاريخ العربى يرمز إلى الجمال والعنفوان والأمانة والشجاعة، وقد نجح أصدقاؤه ومحبوه فى إقامة معرض للوحاته بعد رحيله.


وقد امتدت موسوعية الإبداع عند غسان كنفانى، لتشمل بعض الاجتهادات الفكرية، من خلال بعض الكتب المهمة التى أنجزها، مثل (أدب المقاومة – الأدب الصهيونى – الأدب تحت الاحتلال الصهيونى)، وقد أكد فى هذه الكتب على مجموعة من الأفكار المهمة، التى كانت تمثل العمود الفقرى لإبداعه ورؤاه، مثل حتمية تحرير كامل التراب الفلسطينى وكل الأرض العربية المحتلة، وعودة أهلها إليها، وتحرير الإنسان الفلسطينى والعربى من مستغليه، وإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية فى كل فلسطين، كجزء من مجتمع عربى ديمقراطى، وتحديد معسكر الأعداء، والذى يتركز فى مثلث الشر (الصهيونية – الرجعية – الامبريالية)،
ويأتى كتاب فى الأدب الصهيونى الصادر عام 1967، كأول دراسة باللغة العربية عن الأدب الصهيونى، بأساليبه وفنونه ومراميه السياسية العدوانية، مع تقديم آثار العشرات من الكتاب الصهاينة البارزين، حيث تناول كنفانى الأعمال الأدبية الصهيونية بالنقد والتحليل، وفى كتابه (أدب المقاومة فى فلسطين المحتلة)، فصل عن الشخصية العربية فى الرواية الصهوينية، وقد أكد غسان أن الصهيونية الأدبية قد سبقت الصهيونية السياسية، ثم قامت الصهيونية السياسية بتجنيد الأدب فى مخططاتها، ليلعب الدور المرسوم له، كما أن الأدب الصهيونى لم يقتصر تأثيره، على التجمعات اليهودية، بل تغلغل فى ذهنية المجتمعات الغربية، لدرجة حصول الكاتب الصهيونى شموئيل عجنون على نوبل فى الآداب عام 1966، وقد استطاعت الحركة الصهيونية إحياء لغة متحفية ميتة، هى اللغة العبرية ليلتف حولها كل اليهود، وفى كتابه عن الأدب الصهيونى قال غسان (حاولت لفت النظر لجبهة قتال من الصعب، بل من المستحيل تجاهلها عند مواجهة العدو)، ولذلك يعود إليه الفضل فى نشر أدب وشعر المقاومة من داخل فلسطين المحتلة، ورغم كل هذا العطاء فى كافة مجالات الفكر والأدب، كان غسان يردد دوماً (لا يوجد شىء يستطيع أن يكون فى مستوى المأساة إلا محوها – أما التعبير عنها فلن يستطيع الأديب أن يقدم حلاً، لأنه دوماً يطرح حالة، ويسعى لأن يكون الأساس فى إبداعه، هو أصالة العمل الفنى بكل معناها الفنى والوطنى)، وكان يردد مع شاعر الهند العظيم طاغور (إن بلادى عندما تثور، وتقف فى وجه كل ظالم، تثور للحق الذى سينتصر)، وفى مقدمة مجموعة الرجال والبنادق كتب صارخا (ليس هناك خارج الوطن أبشع من الموت فى زنزانة الحياة – فى المنافى – فليس لكم إلا العودة إلى الأرض الأم، إلا المواجهة، لم يبق إلا الأرض نأخذها عن طريق الرجال والبنادق).


وقد يبدو أن كتابات غسان كنفانى تميل إلى الواقعية، ولكن واقعيته لم تكن وثائقية، حيث تجمع بين الواقع الحضارى والواقع الفنى، لأنه لم يكتف بترتيب عناصر الواقع الحضارى على نحو تاريخى متصاعد أو متكامل، بل كان يعيد بناء تلك العناصر، مع منحها التكثيف والتوجيه، بحيث تصبح خلقا جديداً، هو الواقع الذى يراه، أو الذى يتمنى أن يراه، كما كان يتوجه إلى الواقع عن طريق الرمز وتكثيف العبارة، يمنحها شحنات شعرية، تجعلها قابلة للإيحاء لا للمباشرة، وقد تمتزج تلك الواقعية بالكتابة الشعبية، كما حدث فى كتابيه عائد إلى حيفا – أم سعد، ورغم كل الآلام والصعاب، كان غسان كنفانى يرفض اليأس ويردد دائما (الأمل واسع كبير بحجم عدالة قضيتنا)، وهذا الأمل يؤكد حتمية المواجهة والفداء، لمحاربة حقد الصهاينة، الذى تفجر حتى تجاوز حقد النازيين.


ويتبقى من رصد إبداع غسان كنفانى، مجموعاته القصصية الأربع، التى بدأت بمجموعة موت سرير عام 1961، ثم أرض البرتقال الحزين، وبعدها عالم ليس لنا، وأخيرا الرجال والبنادق، التى تمثل قصصها الأربع الأولى جزءاً مهماً من رواية (سقوط الجليل)، التى أعلن عنها غسان ولم يتمكن من إنجازها.
تتسم شخصية غسان كنفانى، بكثير من البراءة والرومانسية والملائكية، ومثل هذه الشخصيات تصيب من يتصدى للكتابة عنها بالحيرة والارتباك، فكل إنسان – أى إنسان – لابد وأن تكون لديه نقاط ضعف، تجعل منه كائنا بشرياً يصيب ويخطىء، وقد وجدت هذا الضعف عند غسان كنفانى فى علاقته بالأديبة السورية الجميلة غادة السمان، التى أوقعته فى شباكها، وراحت تستمتع برسائله العاطفية إليها، والتى يقول فى إحداها (مأساتى ومأساتك إننى أحبك بصورة أكبر من أن أخفيها، وأعمق من أن تطمريها)، ويقول فى رسالة أخرى (المرأة توجد مرة واحدة فى عمر الرجل، وكذلك الرجل فى عمر المرأة، وعدا ذلك ليس إلا محاولات للتعويض)، ومن الواضح أن هذه العلاقة كانت حباً من طرف واحد – طرف غسان – ومثل هذا الحب كان يرضى غرور غادة، التى كانت محط العديد من علاقات العشق والهوى، لعل أشهرها مع الموسيقار بليغ حمدى، وقد نشرت غادة السمان رسائل غسان كنفانى إليها فى كتاب بعد رحيله بعدة سنوات، فى خطوة غير محسوبة، كل المقصود منها أن ترضى غرورها، وتؤكد أن هذا الأديب الثائر، كان يتيه بها حباً وعشقاً، والمهم أن هذه العلاقة التى تثبت إنسانية غسان، الذى يخطىء فى تقديراته مثل أى إنسان ، لم تفسد علاقته بالسيدة التى منحته عمرها كله، وحاربت الغرب من أجل عدالة قضيته، زوجته آنى هوفر، ولعل عنوان فيلم (المخادعون) من إخراج توفيق صالح، والذى أخذ عن رواية غسان رجال فى الشمس، يعبر عن طبيعة هذه العلاقة البائسة بين أديب عشق بصدق، وأديبة تتفاخر بعدد عشاقها.
عاش غسان كنفانى حياته القصيرة (1936 – 1972)، فى صراع مع الزمن، يعمل بلا ملل ولا يتوقف عن العمل، حتى ينتهى من الأهم، ثم يحمل المهم إلى البيت ليواصل العمل، وانتهى به هذا السباق المحموم، إلى الاستشهاد على يد آلة القتل الإجرامية، تلك الآلة الصهيونية، التى بدأت كالعاصفة خلال عامى 47 – 1948، تقتل الفلسطينيين وتجبرهم على الهجرة القسرية بعيداً عن وطنهم، وتحولت آلة الإجرام الصهيونى فى السبعينيات والثمانينات من القرن الماضى ، إلى سياسة القتل الانتقائى – من خلال قائمة طويلة من المناضلين والمبدعين الفلسطينيين، فقبل غسان كنفانى وبعده لم تتوقف جرائم الاغتيال الصهيونى، وضمت القائمة (كمال ناصر – كمال عدوان – يوسف النجار – صلاح خلف – خليل الوزير – هايل عبدالحميد – عزالذين قلق – سعيد حمامى – ماجد أبوشرار – وديع حداد – أنس الصايغ ...... إلخ).


وكانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .. قد نفذت عدة عمليات اختطاف لطائرات العدو، وكان غسان يستقبل العديد من المراسلين الأجانب، ويشرح لهم تفاصيل أزمة الشرق الأوسط، وأبعاد القضية الفلسطينية، واستطاع اكتساب صداقة غالبية هؤلاء المراسلين، وكانت ذروة هذه العمليات عملية مطار اللد فى 31 مايو 1972، والتى نفذها أعضاء الجبهة الشعبية، بالاشتراك مع أعضاء من الجيش الأحمر اليابانى، وانتهت إلى قتل 40 صهيونياً وإصابة 90 آخرين، ورغم عدم مشاركة غسان كنفانى فى هذه العمليات، إلا أن جولدا مائير رئيسة وزراء الكيان الصهيونى، قد أصدرت أوامرها باغتيال مجموعة من القادة الفلسطينيين (وديع حداد – كمال عدوان – كمال ناصر – يوسف النجار – بسام أبوشريف – أنيس الصائغ – غسان كنفانى)، وتلقى زامير مدير الموساد وقتها أوامر جولدا، وكان غسان على رأس القائمة، واستمرت عمليات القتل لمدة عام كامل، من خلال إرهاب دولة واضح للعيان.


وكان غسان يسكن فى منطقة مارنقولا بالحازمية فى بيروت الشرقية، وكان الموساد قد نجح فى تجنيد الكثير من العملاء من داخل وخارج لبنان، واستطاع بعض هؤلاء العملاء الوصول إلى سيارة غسان فى الجراج وهى سيارة أوستن بيضاء صغيرة، ووضعوا فيها خمسة كيلوجرامات من الديناميت، إضافة إلى قنبلة من البلاستيك، وكانت أخته فايزة التى تعيش فى الكويت فى زيارته، وبعد أن داعب ولديه فايز وليلى، وحيا زوجته وشقيقته، نزل ومعه ابنة شقيقته لميس حسين نجم (18 سنة)، التى كانت رمز حبه الكبير لكل الأطفال، وقدم لها الكثير من الرسومات وقصص الأطفال، ومنها القنديل الصغير، وفى التاسعة صباحاً ترك بيته وسبقته لميس إلى السيارة، وما أن أدار المحرك حتى حدث انفجار رهيب، مزق هذا المناضل إلى أشلاء، وماتت لميس هى الأخرى، وكان ذلك فى صباح الثامن من يوليو 1972، وانفجرت مظاهرات الغضب فى كثير من دول العالم، وفى القاهرة خرجت مظاهرة حاشدة للأدباء تحمل لافتة (إنهم يقتلون الكتاب أليس كذلك)، وعلى قبره هتف كمال ناصر قائلا:
كفنوه بالعز من أمجاده       وادفنوه مشرداً فى بلاده


وجاء المانشيت الرئيسى لجريدة النهار اللبنانية بعنوان (من نسف غسان كنفانى)، وقد رحل غسان كنفانى شهاب الدنيا، وشمس الإبداع والنضال، ليظل رمزاً للفدائية النبيلة، التى وصفها الزعيم جمال عبدالناصر بأنها (أنبل ظاهرة انتجتها الأمة العربية)، وليظل أيضا هذا القلم الثائر عاراً يطارد آلة القتل الصهيونية، التي عادت لتحصد أرواح الأطفال والنساء، لتؤكد رعبها وخوفها، والأهم لتؤكد قرب زوال هذا الكابوس الصهيونى، الذى جثم على صدر العالم منذ عدة عقود.