الخميس 18 ابريل 2024

رؤى فلسفية| «رينيه ديكارت».. ومشروعه الفلسفي (4 – 5)

مقالات27-2-2024 | 19:22

يبدو أن الهدف من تأسيس المنهج عند ديكارت هو هداية العقل والتحكم فيه، وذلك عن طريق مجموعة من القواعد الخاصة، ولقد ألح فيلسوفنا الفرنسي على ضرورة هذا المنهج كما ألح بإصرار شديد علي ضرورة وجود نسق منظم للتفكير، كما أراد ديكارت من هذا أن يُخلص العقل من القيود المحيطة به، فيتهيأ للحكم والقياس في طلاقة تمكنه من الوصول إلى الحقيقة.

وهكذا يمكن عن طريق المنهج والنظام بناء المعرفة على أسس عقلية ثابتة.

فالنظام الصحيح في الفلسفة هو البدء بأكثر الحقائق وضوحاً وبساطة، وهي الحقائق التي تتضمن أبسط المدلولات فقط، والتقدم خطوة نحو أعقد الحقائق، واثقين في أن كل خطوة في البرهان غير قابلة للجدل أو المناقشة.

ولكن هل جاء المنهج الديكارتي قائمًا على أسس يستند عليها هذا المنهج؟

عزيزي القارئ أقام ديكارت صرحًا كاملًا للمعرفة على أساس «الحدس» Intuition و«الاستنباط» Deduction، فـ«الحدس» عند ديكارت هو الرؤية العقلية المباشرة التي يدرك بها الذهن بعض الحقائق التي يعتقد فيها الإنسان ولا يتطرق إليها الشك. يقول ديكارت: «أقصد بالحدس لا شهادة الحواس ولا الحكم الخداع حكم الخيال، وإنما أقصد به الفكرة التي تقوم في ذهن خالص، وتصدر عن نور العقل وحده».

أما «الاستنباط» هو نوع من انواع الاستدلال، وهو عملية عقلية ننتقل بواسطتها من فكرة تكون عادة بديهية، إلى أخري تنتج عنها بالضرورة. والاستنباط أقل درجة في يقينيته من البداهة (الحدس) لأنه يحدث في الزمن وبالتالي فمن الممكن أن يتعرض للخطأ.

أضف إلى ذلك عزيزي القارئ أننا ننتقل في الرياضيات، من قضية إلى أخري عن طريق الاستنباط، أي باتباع خطوة منطقية تلو الأخرى، وكل خطوة من تلك الخطوات تكون غير قابلة (للدحض) الإِبْطال، وذلك لأنها عادة ما تكون بسيطة جدًا وغير قابلة للشك فيها. إلا أنه من المبهر أيضاً أن الرياضيات تصل في النهاية ومن خلال تلك الخطوات المنطقية البسيطة لنتائج ليست واضحة ولا بسيطة، ولكنها مفيدة وحقيقية وقابلة للتطبيق في الواقع.

مما سبق نلاحظ أن، الحدس والاستنباط متشابهان، لأن كلًا منها يصل إلى الحقيقة، فعن طريق الحدس نصل إلى إدراك الحقيقة كاملة، على نحو مباشر Immediately، بينما عن طريق الاستنباط نصل إلى الحقيقة من خلال إحدى العمليات التي يقوم بها العقل.

ومن هنا نلاحظ أن فيلسوفنا فيلسوف عقلي بصورة صارمة في تأسيس منهجه فهو بفهم العقل القضايا الواضحة والمتميزة بطريقة حدسية مثلما يفهم بديهيات الهندسة مثلًا، إذ لا شيء تدركه الحواس بصورة مباشرة يكون واضحًا ومتميز بهذه الطريقة فالحدس وليس الإحساس هو المصدر الأول للمعرفة وبذلك فإن ديكارت فيلسوف عقلي وليس فيلسوفًا تجريبيًا. ولكن ما هي قواعد المنهج الديكارتي؟

صديقي القارئ استخلص ديكارت أربع قواعد نجدها في كتابه «المقال في المنهج» والغرض منها وصف الطرق التي يعمل فيها الذهن حين يفكر تفكيرًا رياضيًا. وهي:

  1. قاعدة البداهة واليقين.
  2. قاعدة التحليل.
  3. قاعدة التأليف (التركيب.
  4. قاعدة الاستقراء التام أو (الإحصاء الشامل).

القاعدة الأولي

«ألا أقبل شيئا على انه حق، ما لم أعرف يقينا أنه كذلك: بمعني أن أتجنب بعناية التهور، والسبق إلى الحكم قبل النظر؛ وألا أدخل في أحكامي إلا ما يمثل أمام عقلي في جلاء وتميز، بحيث لا يكون لدي أي مجال لوضعه موضوع الشك».

أي أنه ألا أقبل أي شيء على أنه الحقيقة إلا ما هو بين للعقل والامر يكون بيناً للعقل إذا أتصف بصفتين «الوضوح» و «التمييز»، ويوضح الدكتور مهدي فضل الله معني هاتين الصفتين في كتابه فيقول: الوضوح: Clart هي الفكرة الواضحة، أي الفكرة التي لا تحتاج إلى تفسير، لأن العقل يصدقها ولا يشك فيها. بينما التمييز:Distinction أي الفكرة المتميزة، وهي الفكرة التي لا يلتبس معناها في الذهن مع معني فكرة أخرى.

 

 

القاعدة الثانية

«أن أقسم كل وحدة من المعضلات التي سأختبرها إلي أجزاء علي قدر المستطاع، علي قدر ما تدعو الحاجة إلي حلها علي خير الوجوه».

معني ذلك أن كل بحث يتضمن «المشكلة» يجب علينا ان نقسم تلك المشكلة إلى أقسام بقدر ما يلزم لإزالة كل الغموض ونصل إلي المعاني البسيطة التي لا تقبل القسمة وبذلك تحل المشكلة.

القاعدة الثالثة

«أن أرتب أفكاري مبتدئاً بأبسط الأشياء وأسهلها معرفة، ثم متدرجا شيئاً فشيئاً حتي أصل إلي معرفة ما هو أعقد، وإلا فرضت ترتيباً معيناً بين الأفكار التي ليس من طبيعتها أن يتبع بعضها بعضاً، هذا إن أقتضي الحال مني ذلك».

أي أنه إذا وصل العقل إلي العناصر البسيطة لابد عليه بأن يبدأ من المبادئ والمعاني البسيطة ويمضي منها إلى نتائجها، وينتقل من العناصر إلى المركبات فيطلع بذلك على تكوين الأشياء.

القاعدة الرابعة

«ينبغي في كل حالة ان أقوم بالإحصاءات التامة والمراجعات الكاملة بحيث أوقن انني لم أغفل من جوانب المشكلة شيئاً».

ويقصد بها عدم إغفال دارسة أي عنصر من عناصر المشكلة موضوع البحث. فإهمال دراسة عناصر أو أجزاء المشكلة، التي يمكن أن تكون عديدة، يجعل من المتعذر إدراك العلاقات القائمة فيما بينها إدراكًا بديهيًا.

صفوة القول، أن قواعد المنهج الثلاث الأخيرة كلها متصلة بعضها ببعض، ففي عملية الاستقراء التام نجد التحليل والتأليف (التركيب) كما أن الاستقراء التام يحقق التحليل والتأليف ويساعدهما على الاستكشاف وكذلك رأينا انه أدمج التحليل والتركيب في قاعدة واحدة في كتابه «القواعد». ولذلك استطاع ديكارت بواسطة الشك أن يصل إلى ما يسمى بـ«الكوجيتو» والذي يمثل حجر الزاوية في فلسفته، وهو ما سنبينه في مقالنا القادم إن قدر لنا الله البقاء واللقاء.