السبت 7 فبراير 2026

الاستخدام‭ ‬الخاطئ‭ ‬للمسكنات‭ ‬والمضادات‭ ‬في‭ ‬الشتاء‭... ‬خطر‭ ‬بالغ‭! ‬

المسكنات

7-2-2026 | 11:58

أماني عزت
في عالم يتحول فيه الدواء إلى سبب للمرض، وتتحول دفاعاتنا إلى نقطة ضعف، يبرز خطران طبيان كبيران يهددان الصحة العامة على مستوى العالم: الأول هو «مقاومة المضادات الحيوية»، ذلك الخطر الصامت الذي حذرت منه منظمة الصحة العالمية لسنوات وأصبح الآن واقعًا ملموسًا، أما الثاني: فهو خطر يرتفع مع موجات البرد كل شتاء وهو الإفراط في استخدام مسكنات الألم، تلك الحبوب التي نتناولها بسهولة لعلاج الصداع وآلام العضلات والحمى المصاحبة للإنفلونزا ونزلات البرد، دون إدراك أن جرعاتها الزائدة أو استخدامها الخاطئ قد يؤدي إلى عواقب صحية وخيمة، تصل أحيانًا إلى الفشل الكلوي والنزيف المعدي.. هذا التحقيق يسلط الضوء على هذين الوجهين لأزمة سوء استخدام الأدوية للتحذير من الانزلاق في دوامة من المخاطر التي يمكن تجنبها بالوعي.   البداية تأتى من تحذير منظمة الصحة العالمية من أن خطر مقاومة المضادات الحيوية لم يعد مجرد تنبؤات، بل أصبح واقعًا يعاني منه الملايين بالفعل، وتحدث هذه المقاومة عندما تطرأ تغيرات جينية على البكتيريا، فتفقد المضادات الحيوية سلاحها الرئيسي، وأشارت المنظمة إلى وجود مقاومة لسبع جراثيم مختلفة تسبب أمراضًا خطيرة وشائعة كالإسهال والالتهاب الرئوي وعدوى المجاري البولية، مما يجعل علاجها أكثر صعوبة وتكلفة ويزيد من معدلات الوفيات. في ذات السياق، يوضح الدكتور أشرف عقبة أستاذ أمراض المناعة أن الاستخدام الخاطئ للمضادات الحيوية لا يقضي على البكتيريا فحسب، بل يهيئ البيئة لظهور سلالات أشد شراسة لا تستجيب للأدوية، ويؤكد أن بعض البكتيريا اكتسبت مناعة ضد مضادات معينة لكثرة استعمالها، وللتغلب على هذه المشكلة أصبحنا نلجأ لإجراء فحص «مزرعة البكتيريا وحساسيتها» لتحديد المضاد الفعال بدقة قبل وصف العلاج.  ويحذر د. عقبة من الآثار الجانبية الخطيرة لبعض المضادات والتي قد تسبب حساسية تتراوح ما بين طفح جلدي بسيط وصعوبة تنفس مهددة للحياة، كما أن المضادات واسعة المدى قد تقتل البكتيريا النافعة في الأمعاء، مما يفتح الباب لعدوى جديدة يصعب علاجها، وهناك حالات تدخل الرعاية المركزة وتعانى من عدم التجاوب مع أدوية المضادات الحيوية، بالإضافة إلى  أن سوء الاستخدام  سواء بالإفراط في التعاطي أو بتناول جرعات غير منتظمة أو لفترات غير كافية، هو الوقود الرئيسي لأزمة المقاومة، كما ينبه إلى خطر بعض المضادات على الحوامل والرضع.  وبينما تتصدر مقاومة المضادات الحيوية المشكلة الصحية عالميا إلا أن هناك خطرا موسميا آخر يبرز ويرتبط بقدوم الشتاء وانتشار نزلات البرد والإنفلونزا، وهو الإفراط في استخدام مسكنات الألم وخافضات الحرارة التي قد يتناولها الكثيرون بشكل عشوائي للتغلب على آلام الجسم والصداع وارتفاع الحرارة المصاحبة للأمراض الفيروسية دون وعي بالتداعيات. في هذا الشأن يقول الدكتور محسن المستكاوي استشاري أمراض الباطنة إن الإفراط في مسكنات الشتاء يمثل وباء صامتا موضحا أن هذه الأدوية رغم فائدتها عند استخدامها الصحيح تحمل مخاطر جسيمة عند إساءة استعمالها، فالمسكنات غير الستيرويدية قد تسبب تهتكًا في جدار المعدة والإثني عشر مؤدية إلى قرح ونزيف معوي، خاصة عند كبار السن، كما أنها قد تؤثر سلبًا على وظائف الكلى، لاسيما في حالات الجفاف المصاحبة لارتفاع الحرارة، وترتفع مخاطر الإصابة بالأزمات القلبية أو السكتات الدماغية لدى الأشخاص المعرضين ،أما بعض المسكنات الآخرى فعلى الرغم من أمانها النسبي فإن تجاوز الجرعة المحددة للبالغين قد يؤدي إلى تسمم كبدي حاد. ويحذر المستكاوي من خطورة خلط أنواع مختلفة من المسكنات دون استشارة طبية مثلما يحدث الآن فيما يسمى «بحقن البرد» لأن العديد من المستحضرات التي تباع للبرد والإنفلونزا قد تحتوي بالفعل على خافض للحرارة، مما قد يؤدي إلى مضاعفة الجرعة دون قصد. ويواصل المستكاوي نصائحه للأمهات والمرضى عمومًا، مؤكدًا أن الهدف ليس الامتناع عن تناول المسكنات، ولكن الهدف هو «الاستخدام الرشيد للأدوية» ويقدم بعض الإرشادات للاستفادة من الأدوية بشكل آمن ومنها: عدم تناول المضادات الحيوية عند الإصابة بالبرد أو الإنفلونزا فهي أمراض فيروسية لا تتأثر بالمضادات، والالتزام بالجرعة والمدة المحددة من الطبيب حتى مع الشعور بالتحسن مع تجنب إعادة استخدام وصفة طبية سابقة. وأضاف أن استخدام المسكنات وخافضات الحرارة يجب أن يكون فقط عند الضرورة أو لتخفيف الأعراض الطارئة وليس لعلاج المرض الفيروسي نفسه. كما يجب الالتزام بالجرعة القصوى المذكورة في النشرة وبالفترات الزمنية بين الجرعات مع تجنب الجمع بين أكثر من نوع مسكن دون علم الطبيب، وخاصة مع المرضى الذين يعانون من مشاكل في الكلى أو الكبد أو القلب أو القرح المعدية، والأفضل لخفض حرارة الأطفال هو أنواع محددة يكتبها الطبيب المختص وبجرعات مناسبة للوزن.  وأشار المستكاوي إلى أهمية تعزيز المناعة بالتغذية السليمة وأخذ لقاح الإنفلونزا الموسمي والالتزام بالنظافة العامة وغسل اليدين للوقاية من العدوى، واستشارة الطبيب أو الصيدلي قبل تناول أي دواء، وإخبارهم عن جميع الأدوية التي يتم تناولها لتجنب التداخلات الخطرة مثل: تقليل فاعلية حبوب منع الحمل مع بعض المضادات الحيوية فقد يحدث حمل غير متوقع لأن المضاد الحيوي يضعف من تأثيرها.  وأخيرا الرسالة الأهم التي يوجهها المستكاوي هي أن الأدوية سواء كانت مضادات حيوية أو مسكنات هي أدوات حادة يجب احترام قوتها ومخاطرها لأن الانتصار في المعركة ضد مقاومة المضادات والآثار الجانبية للمسكنات يبدأ من وعي كل فرد، ومن رفض العشوائية في التعاطي، فالحكمة ليست في منع الأدوية، بل في تحويلها من تهديد محتمل إلى نعمة آمنة عبر الاستخدام المسؤول الذي يحفظ حياتنا ولا يعرضها للخطر.