الخميس 18 ابريل 2024

رؤى فلسفية| «رينيه ديكارت».. ومشروعه الفلسفي (6 – 7)

مقالات26-3-2024 | 17:13

أنهينا الجزء السابق من موضوعنا بالتساؤل، هل تنتهي فلسفة ديكارت بالوصول إلى مبدئه الشهير «الكوجيتو»، أم هناك جوانب أخرى بفلسفته تحتاج إلى إلقاء الضوء عليها؟ ومقصدنا بهذا التساؤل أن نقترب أكثر من ديكارت، في محاولة منا لاستكشاف أشهر مؤلفاته وتقديم تحليل مبسط لِمَا دار بها، دون أي خلل بالمعنى المقصود الذي خطى به فيلسوفنا نصوصه.

عزيزي القارئ لم يكن ديكارت يهدف إلى فرض كتبه أو منهجه على الناس فرضًا، وإنما أراد أن يقترحه لهم مثلًا يحتذي، وأن يمثل حياته فيه كأنها في لوحة تصوير، لكي يتيسر لكل واحد أن يحكم فيها نفسه. كما عُرفت فلسفة ديكارت بأنها «فلسفة الأفكار الواضحة المتميزة»، كما كانوا يسمونها في الرقن السابع عشر، فقد أرادت تلك الفلسفة أن تُخلص الفكر من نير (الوقوع في قبضة) السلطات، أيًا كانت فلم تقبل دليلًا علي الحق إلا البداهة العقلية.

وهنا يدعو ديكارت إلى طرح الأفكار الصادرة عن السلطات أيًا كانت، لأنها في غالب الأمر أشد الأفكار ميلًا مع الهوى وأبعدها عن مرتبة اليقين. وهو ما أكده ديكارت قائلًا: «إن إجماع الكثرة من الناس لا ينهض دليلًا يعتد به لأثبات الحقائق التي يكون اكتشافها عسيرًا». كما يدعو ديكارت إلى طرح تلك الطرائق المعهودة في المنطق القديم الني شاع في العصور الوسطي، والقياس الأرسطي الذي يفرض الشيء الذي ينطلب البحث عنه، والتي لا تصنع شيئًا أكثر من إعاقة حركة الذهن الطبيعية وعدم اكتشاف الحق.

ومن أكبر مؤلفات ديكارت الفلسفية كتابه «مقال في المنهج»، نشره عام 1637م باللغة الفرنسية، وكان في نشره بهذه اللغة ثورة على العرف المألوف بين المفكرين والعلماء. والكتابان التاليان كتبهما باللاتينية للمتخصصين: وهما، «التأملات في الفلسفة الأولي» عام 1641م، «ومبادئ الفلسفة» عام 1644م. كان ديكارت قد فكر في أن يجعل عنوان «المقال عن المنهج»، مشروع علم كلي يستطيع أن يرفع طبيعتنا إلي أعلي درجات كملها، ويرمي المنهج الذي استكشفه إلى غرضين نظري وعملي: فهو ييسر «البحث عن الحقيقة في العلوم»، وييسر لكل إنسان «أن يحسن قيادة حياته».

وهذا ما نص عليه ديكارت بقوله في كتابه «المقال عن المنهج»، حيث قام بعرض أربع قواعد، الأولي: «ألا أقبل شيئًا قط على انه حق، ما لم يتبين لي بالبداهة أنه كذلك..»، والثانية: «أن أقسم كل واحدة من المعضلات التي سأختبرها إلى أجزاء بقدر ما أستطيع..»، والثالثة: «أن نقود أفكارنا بترتيب، مبتدئين من أبسط المعطيات وأيسرها معرفة»، والرابعة: «أن أعمل في جميع الأحوال، من الإحصاءات الكاملة والمراجعات الشاملة ما يجعلني على يقين من أنني لم أغفل شيئًا».

أضف إلى ذلك عزيزي القارئ أنه من الملاحظ أن كتاب «قواعد لهداية العقل» أو بترجمة أخرى «قواعد لتوجيه الفكر»، قد تتضمن إحدى وعشرين قاعدة، ولكن ديكارت ترك هذا الكتاب دون أن يتمه، ولو أتمه لأشار فقط إلي ست وثلثين قاعدة، غير ان الفيلسوف حين كتب «المقال عن المنهج»، عدل عن ذلك العدد الكبير من القواعد، لما قد يسوق إليه من تعقيد، إلا أن القصد منها هو هداية العقل إلي الطريق المستقيم.

وفي عام 1637م، نشر ديكارت ثلاث رسائل هي «البصريات» و«الآثار العلوية» و«الهندسة»، وصّدرها جميعًا بمقدمة هي «المقال عن المنهج»، حاول أن يبين فيها أنه قد أستعمل منهجًا جديدًا غير المنهج التقليدي أو الشائع، وفي رسالتي «البصريات» و«الآثار العلوية»، يعطي ديكارت نموذجًا لطريقته في تفسير الطبيعة تفسيرًا ميكانيكيًا بحتًا، وفي رسالته عن «الهندسة» يكتشف ديكارت الهندسة التحليلية التي يضم بها الجبر إلى الهندسة تحت علم واحد.

ولهذا نجد صديقي القارئ أن الهدف من المنهج الذي اقره ديكارت هو هداية العقل إلي طريق المستقيم، ووضع القواعد المنهجية التي تنص على ألا نقبل شيئًا إلا بالبداهة، وايضًا ألا نبدأ دائمًا بالأسهل والأوضح، وعلى أن نتبع في بحوثنا ترتيبًا ونظامًا ثابتًا – وتلك في الحقيقة هي قواعد العقل المستقيم. كما يري ديكارت أن الإنسان يميز عن الحيوان باستخدام اللغة التي تساعده على فهم كتب القدماء، والأساطير بما فيها من براعة الخيال التي توقظ الأذهان، وقراءة التاريخ الذي يساعد على تكوين ملكة الحكم. وماذا عن الهدف من نشر ديكارت لمؤلفه «المقال عن المنهج»؟ إجابتنا عن هذا التساؤل ستكون موضوع مقالنا القادم، وهو الجزء الأخير والمتمم لموضوعنا.