14-2-2026 | 11:30
إيهاب سلامة
بينما يحتمي البعض بالمعاطف والمدفئات هرباً من لسعات الشتاء، تدور داخل أجسادنا معركة صامتة وقاسية، أبطالها شرايين دقيقة وألياف عصبية لا تتحمل الانخفاض المفاجئ في موازين الحرارة، يقولون إن الشتاء هو فصل الهدوء، لكن لغة الطب لها رأي آخر، فهو فصل «الاستنفار العصبي»، حيث تضيق المسارات، وتتسارع النبضات، وتصبح الدماغ في مواجهة مباشرة مع خطر السكتات والالتهابات أحياناً.
اليوم، نحاور الدكتور جهاد الكفري، استشاري أمراض المخ والأعصاب، لا نكتفي معه بالحديث عن «نزلات البرد» التقليدية، بل نغوص في «فيزياء الألم»، ولماذا يعتبر الشتاء الاختبار الأصعب لمرضى السكتة الدماغية، وإلى نص الحوار..
حين يلفحنا الهواء البارد، ما الذي يحدث «خلف الكواليس» في الدماغ؟ هل الدماغ يشعر بالبرد كما نشعر به بجلودنا؟
الدماغ هو «المنظم الحراري» للجسم، فبمجرد ملامسة البرد للجلد، ترسل المستقبلات الحسية إشارات طارئة إلى «المهاد» في الدماغ، هنا يعلن الدماغ حالة الطوارئ؛ فيأمر الأوعية الدموية الطرفية بالانقباض فوراً للحفاظ على حرارة الأعضاء الحيوية. هذا الانقباض يرفع الضغط داخل الشرايين المركزية التي تغذي الدماغ نفسه لذا، ما تشعر به من صداع أو «ثقل» ليس مجرد شعور عابر، بل هو نتيجة تغيرات ديناميكية في ضغط الدم وتدفق الأكسجين.
وماذا عن جلطات الدماغ خلال الأشهر الباردة، هل البرد بحد ذاته «يجلط» الدم؟ أم هي عوامل غير مباشرة؟
هي منظومة متكاملة من المخاطر، أولاً في البرد يصبح الدم أكثر «لزوجة»؛ تزداد نسبة الفيبرينوجين وعدد الكريات الحمراء، وهي وسيلة دفاعية من الجسم لزيادة الحرارة، لكن ضريبتها هي سهولة التخثر.
ثانياً، الإجهاد الحراري يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في ضغط الدم، تخيل شرياناً متصلباً قليلاً عند شخص مسن، فجأة يضيق هذا الشريان أكثر بفعل البرد ويرتفع الضغط داخله، النتيجة غالباً ما تكون إما انفجاراً (نزيفاً دماغياً) أو انسداداً (سكتة إقفارية).
هل هناك «ساعة ذروة» للخطر في الشتاء؟
نعم، ساعات الصباح الأولى، عندما يخرج الشخص من دفء السرير إلى برودة الغرفة أو الشارع، يحدث تذبذب حاد في الجهاز العصبي المستقل، وهذا ما يفسر ظهور حالات السكتة أحياناً عند الاستيقاظ في الشتاء.
ننتقل لمرضى الأعصاب، وتحديداً «التهاب الأعصاب»، يشتكي الكثيرون من أن أطرافهم تتحول إلى «كتل» أو وخز لا يطاق،لماذا يرفض العصب البرد؟
- العصب المغلف بمادة «الميالين» يشبه السلك الكهربائي المعزول، وفي حالات الالتهاب يتهدم هذا العازل، فالبرد يعمل على تقليص الأنسجة المحيطة بالعصب، مما يزيد الضغط الميكانيكي عليه، بالإضافة إلى ذلك، البرد يقلل من تدفق الدم في «الأوعية العصبية» وهي الأوعية الدقيقة التي تغذي العصب نفسه. وعندما ينقص الغذاء والأكسجين بسبب البرد، يبدأ العصب بإرسال إشارات ألم عشوائية، وهي ما يصفه المرضى بالحرقان أو التنميل.
هل هناك علاقة بين البرد و «العصب السابع» أو ما يسمى بشلل الوجه النصفي؟
هناك علاقة وثيقة جداً، التعرض المباشر لتيار هواء بارد (مثل فتح نافذة السيارة في الشتاء) يؤدي إلى تورم العصب الوجهي داخل نفق العظم الضيق، مما يسبب احتباس العصب وتوقفه عن العمل، وهو ما نراه في حالات شلل الوجه الشتوية الشائعة.
أمام هذه الصورة، كيف نحمي الدماغ من برد الشتاء؟
الحماية ليست في الاختباء، بل في الوعي، مثلا يمكن اتباع التدرج الحراري. فلا تخرج من مكان ساخن للبارد مباشرة، انتظر دقائق في «منطقة عازلة» (مثل مدخل البناية)، ويجب أيضا حماية الرأس والرقبة لأن الدماغ يفقد كمية هائلة من حرارة الجسم عبر فروة الرأس؛ لذا تغطية الرأس ليست رفاهية بل حماية للشرايين الدماغية، مع شرب الماء بكثرة في الشتاء أكثر من الصيف لمنع لزوجة الدم المسببة للجلطات، وعلى مرضى السكري تناول فيتامين (ب) وضبط مستويات السكر بدقة متناهية في الشتاء، لأن اضطراب السكر مع البرد يدمر الأعصاب الطرفية بسرعة مضاعفة.
كلمة أخيرة لكل من يشعر بتنميل أو صداع مفاجئ في هذه الأجواء؟
لا تهمل «لغة الجسد» لأن الصداع المستمر في الشتاء قد لا يكون «جيوباً أنفية» بل ارتفاعاً في الضغط، التنميل في اليد قد لا يكون «برداً» بل بداية التهاب عصب يحتاج تدخلاً، والأهم عند حدوث أي اعوجاج في الفم أو ثقل في الكلام، الوقت هو «خلايا الدماغ»؛ كل دقيقة تأخير تشكل خطر، دفئوا قلوبكم وأجسادكم، وراقبوا ضغط دمكم بدقة.