السبت 12 سبتمبر 2026

الطرق السليمة للتعامل مع ارتجاع المريء

الطرق السليمة للتعامل مع ارتجاع المريء

12-9-2026 | 10:52

إيهاب سلامة
يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من الشعور بالحرقان والألم في الصدر بعد تناول وجباتهم دون أن يدركوا أنهم قد يواجهون حالة صحية تُعرف بـ «ارتجاع المريء». وتحدث هذه المشكلة عندما يرتد حمض المعدة إلى الأعلى باتجاه المريء بسبب ضعف الصمام أو العضلة التي تفصل بينهما وتمنع تسرب الطعام والأحماض، ومع أن الكثيرين يتعاملون مع الأعراض باعتبارها مجرد «حموضة عادية» تتطلب فوّارا أو قرصا مسكنا، إلا أن الاستهانة بها قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة كالتهاب جدار المريء وظهور القرح المعدية، كما نتعرف على هذا تفصيلياً. ​​في البداية، يقول الدكتور أشرف الحلوجي استشاري الباطنة العامة والجهاز الهضمي والكبد: المريء ليس مجرد أنبوب صامت لتمرير الطعام بل هو منظومة حركية معقدة تعتمد على صمام سفلي يعمل كبوابة تفتح لمرور الطعام نحو المعدة ثم تغلق بإحكام لمنع خروج العصارة المعدية الحارقة، لكن عند حدوث ارتخاء مفاجئ أو ضعف دائم في هذه العضلة، يرتد الحمض صعودا ليلامس جدار المريء الذي لا يمتلك البطانة المخاطية الواقية التي تتمتع بها المعدة، مما يتسبب في حدوث التهابات وتقرحات حادة. ويفرق الحلوجي بين «الحموضة» و»الارتجاع»، ففي حين أن الحموضة هي شعور مؤقت يصيب الإنسان نتيجة تناول أطعمة معينة أو الامتلاء الزائد وتزول سريعا، فإن الارتجاع المريئي هو خلل وظيفي مزمن يتكرر مرتين أو أكثر أسبوعيا ويصاحبه ألم مستمر خلف القفص الصدري وطعم حمضي أو مر في الفم وصعوبة متزايدة في البلع. ​ويكشف لنا أن الأطعمة المليئة بالدهون والمقليات والمشروبات الغازية والشوكولاتة والقهوة والنوم المباشر بعد الطعام من العوامل التي تزيد الضغط داخل المعدة وترغم الصمام على الارتخاء. يضاف إلى ذلك مرض السمنة المفرطة أو وجود فتق في الحجاب الحاجز والذي يلغي بدوره زاوية الصمام الطبيعية. ​ويوضح أشرف الحلوجي أن أول خطوات العلاج تعتمد على تعديل نمط الحياة بصرامة أي بتقسيم الوجبات إلى خمس وجبات صغيرة والامتناع الكامل عن الطعام قبل النوم بثلاث ساعات، واستخدام أدوية مثبطات حمض المعدة تحت إشراف طبي لمنح البطانة فرصة للتعافي والشفاء. ​أما الدكتور وائل صلاح استشاري الحالات الحرجة فيشير إلى أن أعراض ارتجاع المريء قد تتشابه أحيانا مع أعراض الذبحة الصدرية مفسرا أن ألم الارتجاع المريئي الشديد تنجم عنه تقلصات عضلية حادة في جدار المريء وهي تعطي شعورا بالعصر والضغط ما يماثل تماما أعراض الذبحة الصدرية أو الجلطة القلبية الحادة. ويكشف لنا أن بعض الحالات قد تدخل الرعاية المركزة دون أن يعرف الأطباء في البداية ما إذا كانت الإصابة في المريء أم أنها ذبحة صدرية، موضحا أن التشخيص الدقيق لا يتم حسمه إلا بعد إجراء رسم قلب دقيق وتحليل أنزيمات القلب واستبعاد الأزمات الشريانية. ​وينبه وائل صلاح إلى أن ارتجاع المريء لا يتوقف عند حدود الجهاز الهضمي؛ ففي حالات الارتجاع الصامت أثناء النوم يتسلل الحمض المرتجع إلى المجرى التنفسي والحنجرة، مسببا نوبات اختناق مفاجئة وتوقفا مؤقتا للتنفس أثناء النوم أو انسدادا حادا في الشعب الهوائية وسعالا جافا يطول لشهور دون استجابة لأدوية الصدر مع وجود بحة دائمة في الصوت نتيجة التهاب الأحبال الصوتية. من جانبه، يحذر الدكتور محمد غريب استشاري جراحة الأورام، من ترك آلام ارتجاع المريء المزمن دون علاج سريع موضحا أن هذا الإهمال قد ينتج عنه ما يسمى علميا بظاهرة «مريء باريت»، ويوضح أن هذه الظاهرة تحدث عندما تتعرض بطانة المريء السفلية للحمض المعدي الكاوي على مدار سنوات طويلة، ومن هنا تبدأ الخلايا الحرشفية الطبيعية في التحور والتغير إلى خلايا عمودية تشبه خلايا جدار الأمعاء في محاولة لتحمل الحموضة. ​ويشدد غريب على أن حالة «مريء باريت» ليست سرطانا بحد ذاتها، لكنها تُصنف كحالة سابقة للتسرطن؛ حيث إن هذا التحول النسيجي يرفع احتمالية إصابة المريض بـ «سرطان المريء الغدي» بنسب أكبر من الشخص الطبيعي، مع العلم أن هذا النوع من الأورام الشرسة تتطلب جراحات استئصال . ​ويوصي استشاري جراحة الأورام الأشخاص الذين يعانون من «الحرقان» بإجراء المناظير الدورية، حيث يجب على كل مصاب بارتجاع مزمن ممتد لسنوات طويلة إجراء منظار استكشافي دوري على المريء والمعدة مع أخذ عينات نسيجية لرصد أي تغير مبكر في الخلايا، أما في الحالات التي لا تستجيب للأدوية أو تعاني من فتق حجابي كبير، تصبح الجراحات التعويضية مثل عملية طي المعدة أو التقنيات الحديثة لتقوية الصمام هي الحصن الأخير قبل ظهور الأورام السرطانية.