الأربعاء 21 فبراير 2024

مع “ميتافيرس” .. العقول فى أجازة !


مع ميتافيرس .. العقول فى أجازة

21-12-2022 | 11:29

كتب: حسن حسنى
من سنوات ألح إبنى شراء نظارة للألعاب اسمها (VR) وكالعادة رضخت واشترتها، وبعد وضع موبايله بداخلها قمت بارتدائها من باب الفضول لأجد نفسى داخل عالم مذهل يكاد يكون حقيقى اتجول فيه وأتفاعل مع الكائنات التى تتصارع معى، ومع كل حركة عين وإيماءة رأس كنت اتجول واكتشف وأصارع داخل هذا المكان الغامض، وطبعا كانت تجربة غريبة ومدهشة بالنسبة لجيلى رغم انها كانت ضمن تقنيات قديمة لجيل النظارات الأول ، المهم استخدم ابنى هذا الـ VR لفترة ثم أهملها كعادته، بعدها ظهرت نظارات الجيل الأحدث والتى تتوافق مع معظم أجهزة الألعاب المتاحة والتى يستطيع اللاعب خلالها التحرك الكامل بالقدم والذراع ومعظم الحواس. ومع ذلك لم يهتم الكثير بتلك التقنية ذات البعد الثلاثى أو يتفهمون وجود هذا الواقع الافتراضى إلا تحديداً أواخر الشهر الماضى عندما فاجئنا مارك زوكربيرج، مؤسس إحدى مواقع التواصل الاجتماعى بتغيير اسم شركته إلى “ميتا” أى “ماوراء” واعتمد فكرة مشروع يسمى “ميتافيرس metaverse “ أى ماوراء الكون والذى يعتبره الخبراء معبرا عن مستقبل مواقع التواصل الاجتماعى أو بالأحرى مستقبل الإنترنت بصفة عامة. مارك يعلن بدء تنفيذ فكرة تواصل البشر مع واقع سيفصل بالفعل العقول عن الأجساد من خلال تعايش العقل بفاعلية خارج حدود المكان فى عالم موازى تتحرك فيه أجسادنا فى مواقعها الحقيقية بينما تكون عقولنا فى فضاء افتراضى متصلة برفقاء حقيقيين يستخدمون نفس التقنية فى بيئات اجتماعية مختلفة أو متشابهة حول العالم حيث يمكننا مقابلاتهم ورؤيتهم والتفاعل معهم. ولتقريب فكرة “ميتافيرس” أكثر للأذهان، قال مارك ازوكربيرغ إن الأمر أشبه بتحويل الإنترنت إلى بيئة ثلاثية الأبعاد لا يقتصر دور المستخدم على النظر إليها أمام شاشته بل الدخول فى هذه البيئة بنفسه حتى يصبح أحد عناصرها، وفيها تنفصل حواسه عن عالمه الحقيقى فترة بقائه فى هذا العالم الافتراضي. وتحديدا انك عندما تكون فى اجتماع عبر “ميتافيرس”، ستشعر حقيقة انك فى غرفة الاجتماع تتكلم إليهم وتسمع منهم ، وتمتلك إحساسا مشتركا بالمساحة والمكان وليس مجرد النظر على شاشة جهاز . ويقول انها تجربة الخروج من الجسد حيث تأخذك حواسك إلى مكان آخر وتترك جسدك خلفك على كرسى أو أريكة أو يقف كسجين معصوب العينين بينما عقلك وحواسك تتجول فى عالم أخر . سوف نصبح خلال الفترات القصيرة القادمة أمام واقع افتراضى بمستويات غير مسبوقة، وعلى الرغم من أن مارك زوكربيرغ هو من أعلن مؤخرا عن دخول هذا العالم الجديد، إلا أن شركته لن تستطيع وحدها التكفل بكل التطورات المطلوبة فى هذا المجال، بل سيتطلب اشتراك جميع الشركات العاملة فى هذه الصناعة، وهو ما أكده زوكربيرغ نفسه، فى خطاب موجه للمستخدمين. وبالفعل بدأت شركته (ميتا حاليا) اطلاق تطبيقا للاجتماعات الافتراضية للشركات كبداية مما يؤكد أننا أصبحنا بالفعل أمام واقع تتغير فيه أساليب وتقنيات جميع الأنشطة التى يمارسها مستخدم الإنترنت والتى ترتبط بهذا العالم الموازى الغريب . فعلى سبيل المثال سيشهد التسوق الإلكترونى نقلة نوعية داخل هذا العالم، حيث يكون المستخدم قادرا على معاينة أى شيء يريد شرائه عن قرب بدلا من مجرد معاينة صور فى الشكل التقليدى المعروف الآن للمتاجر الإلكترونية، وسيصبح كل نشاط إنسانى فى الواقع الحقيقى متاحا بكل تفاصيله فى العالم الافتراضي، الأمر الذى يعنى أن الإنسان ربما يكون قادرا على البقاء فى العالم الافتراضى لفترات أطول، فهو إما مسترخيا فى منزله الافتراضى أو يمارس إحدى الألعاب أو الرياضات أو يزور متاحف مع أصدقاء من مختلف أنحاء العالم، أو يعقد اجتماعات افتراضية أو يتسوق مايحتاجه من متاجر فى أى مكان على الجانب الآخر من الكوكب، المهم انه سيكون له القدرة على الانتقال الفورى من عالم إلى آخر وبسرعة مذهلة. والآن أصبح من يمكنه شراء نظارات الواقع الافتراضى الحديثة، فسيحتاج فقط إلى اختيار الشبيه الافتراضى له “أفاتار”، ليصبح ممثله فى هذا العالم الجديد، ويمكنه حينها التنقل بين تلك العوالم الافتراضية التى أنشأتها شركات كبيرة مختلفة حول العالم. بالفعل نحن أمام تغير جذرى فى أسلوب مواجهة التكنولوجيا خلال الفترة القادمة، وبالطبع سوف يؤثر سلبًا على حياة البشر، وسننفصل تدريجيًا عن عالمنا الواقعي، لذلك بدأ خبراء علم النفس وأطباء الصحة النفسية يحذرون من حدوث تغيرات كبيرة فى سلوكيات البشر وحالتهم النفسية بسبب تلك التقنيات حيث يؤكدون ان استخدام العالم الافتراضى بهذا الشكل قد يتسبب فى زيادة فجوة العزلة الاجتماعية، وان التعرض المستمر لمثيرات العالم الافتراضى قد يجعل الشخص يعانى من اضطرابات نفسية كثيرة مثل الاكتئاب والفصام وصعوبة النوم، والأرق، مما يؤثر سلبًا على سلامة الصحة العضوية والنفسية. وأخيرا نؤكد: ماأحلى الرجوع للتواصل الطبيعى مع الآخرين وبناء علاقات سوية مفيدة وهادفة مع أشخاص حقيقيين وحتى لو بقى الوضع على ماهو عليه الأن، وحتى لو تخلفنا عن هذا العالم الغريب سيكون أفضل من فصل أجسادنا عن عقولنا والضياع الرهيب لوقت شبابنا والتى من المرجح مع تطبيق هذا “الميتافيرس” ان نبحث عن أبنائنا فلن نجد إلا أجساد كصور أو تماثيل وعقولهم فى العالم الموازى الافتراضى الأخر .