الثلاثاء 25 يونيو 2024

لعبة القدر!

صوره تعبيريه

20-6-2022 | 18:06

د. أيمن عيسوى أستاذ جراحة المناظير والسمنة المفرطة -جامعة القاهرة

فى عام 1988 انتهيت من نيابة قصر العيني، وفى ذلك الوقت حدثت مشاكل فى التعيين للدفعة بأكملها والدفعة السابقة واللاحقة أيضا، لأسباب لا علاقة لها بالمهارة كما جاء فى أذهان الكثير من كبار الأطباء فى ذلك الوقت بأن أقسام الجراحة أصبحت مزدحمة، وبدأوا فى وضع عراقيل وشروط للتعيين لدرجة معيد التى كانت فى ذلك الوقت هى أول درجات السلم الجامعي، وبدأنا نبحث عن مستشفيات أخرى نعمل بها لكى نمارس ما درسناه ونمارس المهنة. فى الحقيقة تملكنا فى ذلك الوقت شعور بالإحباط وحالة نفسية سيئة، وخاصة ونحن فى بداية الطريق، بعد ما حفرنا كما يقال فى الصخر بأيدينا ثلاث سنوات كاملة فى وحدة الحوادث الجراحية بلا أى مردود، وبدأ الأساتذة يتوخون الحذر فى التعامل معنا باستثناء الأقلية منهم، وأيضا كنا نرى كل التخصصات من زملائنا المقيمين قد تم تعيينهم. ماذا أفعل؟. هدانى تفكيرى لأن أذهب إلى أحد المراكز الطبية المعروفة وكان فى ذلك الوقت أفضل مستشفى فى مصر، حيث كان يدار بطريقة حديثة، ويمتاز بمبانيه الكبيرة، وغرف عمليات ضخمة، وعدد كبير من المرضى والتمريض والإداريين، وكان يعمل فى هذا الصرح عظماء وأساتذة قصر العينى فى كثير من التخصصات، حيث كان يشيب شعر الرأس عند سماع أسمائهم، ومنهم الأستاذ الدكتور أحمد فرج رئيس أقسام الجراحة السابق بقصر العيني، وكان مساعدا فى ذلك الوقت للدكتور أسامة سليمان الذى كان ومازال مشهورا، وقد كنت أسمع عنه كثيرا، ولكن لم أره أبدا، وكان معروفا فى قسم الجراحة بمعهد الأورام بالصرامة الشديدة جدا، وكنت أسمع مواقف ونوادر تحكى عنه فى هذا الصدد. هناك ألتقيت الدكتور أحمد فرج ورأيته يقول لي أنا أتعينت وراجع قصر العينى تعالى مكاني، وقتها توقفت فى مكانى مذهولا من الطلب ولسان حالى يقول: تركت العمل فى قصر العينى نائبا للدكتور أحمد شفيق المشهور بالحزم والشدة فى العمليات، لأجد نفسى مساعدا للدكتور أسامة سليمان المعروف بالصرامة والشدة أيضا، الشقاء مكتوب علينا!. المهم دخلت العمليات مع الدكتور أسامة وبدأت أساعده فى كل كبيرة وصغيرة، وفى ذلك الوقت كانت الحالات كثيرة ويعتبر البسيط منها شديد التعقيد، وفى الحقيقة وجدت أمامى جراحا ماهرا بمعنى الكلمة. مش بيعمل عمليات، ده بيرسم جوه المريض، ببساطة الأنسجة بتسمع كلامه وفى أحلك المواقف لا تزيد ضربات قلبه دقة واحدة، يا له من فنان خارج العمليات، القرارات مأخوذة بميزان حساس جدا: متى ندخل... متى ننتظر... متى يدخل... ولماذا... يهتم بحالة المريض ككل، وليس فقط المرض الجراحى اللى كان يهمنا كجراحين...كان لديه اهتمام شديد بالنفس البشرية وبالتفاصيل، علاوة على الذكاء فى فهم البشر والتعامل معهم. وفى الحقيقة حدث نوع من الكيمياء بينى وبينه طيلة فترة التعامل معه، لم يوجه لى كلمة واحدة من أى نوع حتى حصلت على الدكتوراه بعد مقابلتى له بأربع سنوات، وكان يشجعنى ويمدحنى ويرفع من معنوياتى... وتكونت لدى ذخيرة معلومات جراحية ضخمة من حضورى معه وقربى منه، بجانب معلومات أخرى من عشرات المواقف مع الناس تعلمت منها كيف تكون كبيرا فى عيون من حولك، وهذا جعلنى اكتشف أن تأخير تعيينى بقصر العينى خير من عند الله، لكى أعرف هذا الرجل وأتعلم منه الكثير والكثير أكثر من جيلى من الجراحين الصغار، ومن ثم انعكس هذا على المستوى العلمى لى فى الامتحانات ودرجة الدكتوراه، كما اكتشفت أن الشيء السيئ الذى يحدث لك ممكن أن يتحول لشيء أفضل فى وقت قريب. والشيء بالشيء يذكر عن شهامته ورقى أخلاقه التى تعلمناها أيضا منه، كان يوما داخل غرفة العمليات وبيده ميدالية عليها علامة تجارية معروفة وبنوع من الدعابة سألته دى ذهب يا بيه؟. رد علىّ: أيوة!. قلت له أنها جميلة فقط وفوجئت به بعد انتهاء العملية ينزع الميدالية من المفتاح وقال لى يا أيمن خذها، وفى هذه اللحظة وجدت بداخلى خليطا من المشاعر المتضاربة وقلت له: لا أنا أعجبت بها فقط، أصر وقال: لو بتعزنى خذها وبالمناسبة أنا محتفظ بها حتى الآن، ذكرى جميلة من أستاذى الأجمل وكلما وقعت عينى عليها أتذكر هذا الرجل العظيم متعه الله بالصحة والعافية والسعادة، وبارك الله فى ابنه الدكتور حسين صديقى جراح الأورام، وتعلمت من هذا الموقف أن ما يكتبه الله لك وتراه أنت من وجهة نظرك غير مناسب سوف يكون فيه خيرا لك فى القريب العاجل... قال تعالى عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون صدق الله العظيم.